.
.
.
.

خطر «داعش».. وفرضية تغير «طالبان»؟

وحيد عبد المجيد

نشر في: آخر تحديث:

عزز تصاعد خطر تنظيم «داعش» في أفغانستان أهمية السؤال المثار منذ بدء الانسحاب الأميركي عن احتمال، أو بالأحرى إمكان، حدوث تغير في اتجاهات حركة «طالبان» وسياساتها مقارنةً بما كانت عليه حين تولت السلطة من قبل بين عامي 1996 و2001. وفيما يعتقد معظم الخبراء والمراقبين أن احتمال هذا التغير ضعيف، خاصةً فيما يتعلق بأوضاع المرأة واحترام المجال الخاص للإنسان وحقوق الأقليات والأجانب، يتوقع آخرون أن تضطر قيادتها إلى إبداء شيء من المرونة سعياً للحصول على شرعية دولية تحتاجها لمواجهة أزمة اقتصادية ومالية تتجمع نذرها في الأفق القريب.

لكن الهجوم الانتحاري المزدوج الذي شنه تنظيم «داعش» في محيط مطار كابول، الخميس الماضي، والتحذير الأميركي المتكرر من هجمات أخرى، أضاف بُعداً جديداً إلى السؤال عن احتمال أو إمكان تغير «طالبان»، وهو: إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تصاعد خطر «داعش» إلى تعاون أمني من جانب حركة «طالبان» مع الولايات المتحدة والحلف الأطلسي، بما قد يصحب ذلك من مراجعة لبعض مواقف الحركة إزاء الآخر بوجه عام؟

غير أن بعض من أَعطَوا السؤال عن أثر تصاعد خطر «داعش» اهتماماً فائقاً ربما بالغوا في تقدير قابلية «طالبان» لمراجعة اتجاهات ذات طابع استراتيجي من أجل تحقيق هدف تكتيكي يتعلق بدعم قدراتها في مواجهة هذا الخطر، بافتراض أنها ترغب في مثل هذا الدعم من الولايات المتحدة تحديداً. ومن الناحية المنهجية، لا يصح بناء سيناريوهات متوسطة أو طويلة المدى بناءً على مُتغير واحد، مثلما لا يُفيد توقع سياسات فعلية تأسيساً على خطابات إعلامية مثل تلك التي تصدر عن المتحدثين باسم «طالبان» وتنطوي على طمأنة من يعنيهم الأمر. ومع ذلك ربما يجوز، استناداً إلى نظرة متفائلة، ترقّب ما سيؤول إليه الوضع، وانتظار أن تنعكس هذه الخطابات في ممارسات «طالبان» على الأرض.

ويعتمد مَن ينتظرون ذلك على أن «طالبان» لم تكن في أي وقت جزءاً من تنظيمات «الإخوان»، أو ما أُطلق عليه إسلام سياسي بوجه عام، ومن ثم فقد لا تكون لديها حصانة ضد استيعاب الدروس واستعداد لتكرار الأخطاء بالطريقة نفسها. حركة «طالبان»، وفق هذا التصور، ليست مُصابة حتى الآن على الأقل بالمرض الإخواني العُضال، وتستطيع بالتالي أن تتحرر من أثقال مرحلة النشأة الأولى. غير أن مَن لا يرون أساساً كافياً لفرضية تغير «طالبان» يشيرون إلى أنها في النهاية حركة دينية تنظر إلى الأمور من منظار واحد. وهذه النظرة الأحادية الضيقة، التي يصعب أن تتغير في أية حركة دينية مؤدلجة، حتى لو لم تكن متطرفة، هي ما يدعم التصور الذي يرجح احتمال أن تعود «طالبان» إلى سابق عهدها، وإن في صورة أخرى لأن التاريخ لا يُعيد نفسه بحذافيره.

ويستند هذا التصور إلى أن العبرة ليست بخطاب قادتها الذين تواصلوا مع دول عدة، وإنما بمستوياتها التنظيمية القاعدية والوسيطة التي لم يطرأ تغيير في طريقة تفكيرها ونظرتها إلى الأمور. والمعنى، هنا، أن أية قيادة لا تستطيع أن تنفصل عن قواعدها، بافتراض أنها أصبحت أكثر نضجاً. تصوران مختلفان، إذن، بشأن سلوك حركة «طالبان» وقد صارت أفغانستان في قبضتها.

ويصعب ترجيح أحدهما على الآخر بشكل حاسم يمكن الاطمئنان إليه، قبل أن يتبين سلوكها الفعلي، خاصةً أن المسار الذي ستسلكه لن يتوقف عليها وحدها، بل سيتأثر بكيفية تعاطي الأطراف الدولية والإقليمية معها. غير أن ما يمكن ترجيحه، وبحذر، أن «طالبان» قد لا تتصرف بطريقة تُعيد إنتاج ما حدث في 2001، حتى في حالة ثبوت عدم وجود أساس لفرضية أنها قابلة للتغير.

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.