.
.
.
.

الهدف "المتصور" يطغى على الهدف "المطلوب"

بسام البنمحمد

نشر في: آخر تحديث:

سربت مؤخرا صحيفة AXIOS خبر تعيين الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن مستشارًا جديدا لروبرت مالي (مسؤول الملف الإيراني في الإدارة الأمريكية) يدعى دانيال شابيرو او دان كما يطلق عليه وهو السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل في عهد أوباما (كان سفيرا لأمريكا في إسرائيل منذ 2011 لغاية 2017) وهو على علاقة شخصية جيدة مع كثير من المسؤولين الاإسرائيليين بما فيهم رئيس الوزراء الجديد نفتالي بنيت.

وبحسب الصحيفة التي سربت الخبر فإن هذا التعيين يأتي في إطار حرص الإدارة الأمريكية لتسهيل الحوار مع الحكومة الإسرائيلية بشأن الملف النووي الإيراني بطريقة تضمن تقبلهم للموضوع ونتج عن ذلك تفاهم غير معلن بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت والرئيس الأمريكي بايدن تعهد فيه بينيت بأن لا يهاجم السياسة الأمريكية في هذا الملف بشكلٍ علني حتى وان توصلت لاتفاق مع إيران بعكس ما فعل نتنياهو مع ـوباما.

تطرق لهذا الموضوع الكاتب السعودي مشاري الذايدي في صحيفة الشرق الأوسط واستنتج بشكل سليم أن "اختيارات الرجال تدل على عقولهم ونواياهم"، ولأن شابيرو نفسه كتب ونشر عددا من المقالات وله بعض الآراء العلنية التي لخصها في أن محاولة التفاوض مع إيران وإقناعها بالتخلي عن سلوكها الاقليمي وصواريخها الباليستية وبقية المتطلبات التي تمسكت بها ادارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب للعودة للاتفاق النووي هي غير قابلة للتطبيق لانها ستؤدي لتغيير جوهري وعميق في بنية النظام الايراني!!

هذه المسألة، تعيين شخصيات بهذا التوجه والتفكير وكذلك هذا الاصرار على سياسات محددة، يقودنا لاصل المشكلة من وجهة نظر تحليلية تسبق مرحلة رسم السياسات والتعامل مع نتائجها، وهي مشكلة نضطر ان نتعامل معها في منطقتنا بشكل مكلف جدا وتهدد مصيرنا ووجودنا.

اصلها ان كثيرا من النخب السياسية والاكاديمية والخبراء والاعلاميين وحتى المؤرخين الغربيين حصل عندهم تحول خطير استبدلوا فيه اسس كل شيء من رسم السياسات او حتى كتابة التاريخ ليس بناء على البراهين والاستدلال بالوقائع انما الى اعتماد النظريات والايديولوجيات كمحرك اساسي لرسم السياسات والتوجهات بناء على فكرة او نظرية محتملة تصبح بحكم نفوذهم وتأثيرهم لدى دوائر صنع القرار والاعلام وشبكات الضغط، نظرية مقدسة وحقائق لا تقبل النقاش، وان تجرأ اي شخص على التشكيك فيها فتمارس عليه ثقافة الالغاء cancel culture في ابشع صورها.

هذه الاشكالية كتب عنها عدد قليل جدا من المختصين بسبب خوفهم او عدم قدرتهم على تصور حجم الاشكالية ومن هذه القلة البروفيسور في جامعة كامبريدج ديفيد ابولافيا وحذر ان الرضوخ لهذا التحول سيقود العالم لتحويل كتابة التاريخ بسردية ضيقة وقد تكون خاطئة وبالتالي تؤدي لاتخاذ قرارات وبناء سياسات غير سليمة وتصنع المستقبل بشكل مشوه وتقود لنتائج كارثية.

هذا التحذير الذي يبدو استباقي هو في الواقع امر ملموس ومعاش وله انعكاسات خطيرة على شعوب ودول العالم واكثر من يعرف ذلك هم شعوب دول الشرق الاوسط. وهو ما يثبت دقة استنتاج مشاري الذايدي على خبر تعيين السفير السابق دان شابيرو كأحد كبار مستشارين المسؤول عن الملف النووي الايراني روب مالي والذي يُعرف عنه تحمسه الشديد لهذا الاتفاق محل الجدل وهو ايضا شخصية جدلية، والغريب ان الخارجية الامريكية علقت على خبر تعيين شابيرو انه يأتي ضمن توجه الادارة الامريكية تعيين مستشارين لديهم آراء مختلفة وكذلك بحكم علاقاته الجيدة مع الحكومة الاسرائيلية مما سيسهل الحوار والتنسيق معهم وايضا سيؤدي لفهم اعمق للمنطقة!!

هذه الدائرة المغلقة من اصحاب فكر واحد حتى ان كان هناك تباين في بعض الاساليب بينهم الا انهم متشابهين جدا في التركيز على الهدف "المتصور" لا على الهدف "المطلوب" وبناء على سردية او نظرية مسبقة لا بناء على براهين وحقائق. فالهدف المطلوب في ما يخص الملف الايراني يجب ان يكون تحقيق الاستقرار وتجنب تحويل المنطقة لمنطقة صراع مشتعل ومنع ايران من بسط نفوذها بما يهدد المصالح الامريكية وغيرها من اهداف واضحة لمن يبحث عن الاستدلال المنطقي لكنها مغيبة عن اصحاب النظرية السردية "المتصورة" والمتخيلة الذين يتصورون ان الوسيلة (اتفاق نووي مع ايران) هي الهدف الذي سيحقق لهم المطلوب.

فتسخر كل الامكانيات وتدفع اغلى الاثمان لتحقيق الحصول على "الوسيلة" التي اصبحت الهدف مهما برزت وقائع تبرهن خطأ هذا التصور وهذه السياسة الا انهم يكابرون وترفض اعينهم ولا تقبل عقولهم حتى مناقشة هذه البراهين، ويخرج لنا منظرون يبررون بشكل لا يقبله المنطق ولا تستوعبه العين التي ترى الحقيقة متجلية امامها، اليس هذا ما يحصل امامنا اليوم مع احداث افغانستان الاخيرة وحصل قبلها في العراق وفي احداث ما سمي بالربيع العربي وفي كل الامثلة التي كانت بسبب رسم سياسات وفق "تصورات" و"نظريات" خيالية او مثالية لا علاقة لها بالواقع، وما يجعلها تتكرر هو رفض اصحابها الاعتراف بالبراهين الواقعية وتمسكهم بالنظرية.

ولذلك تتكرر الاسئلة، لماذا لا يريدون الديمقراطية؟ لماذا لا يفهموننا؟ لماذا يكرهوننا؟ وتأتي اجاباتهم على انفسهم مثل غرف الصدى التي لا يسمعون فيها الا انفسهم، لانهم يغيرون من قيمنا، ويكرهون حريتنا، ولانهم جبناء وفاسدون وغيرها من اجابات مازلنا نسمعها حتى اليوم على افغانستان مثل ما سمعناها على غيرها.

لكن المصيبة اننا ندفع معهم الثمن من استقرارنا وتهدد مصالحنا ووجودنا، فهل نستطيع تجنب هذه الاثمان المكلفة والمتكررة عن طريق تحقيق اختراق لدوائر صنع القرار الغربية وتصويب طريقة تفكيرهم؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.