.
.
.
.

القائمة الحمراء!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

أصبح تعبير القائمة الحمراء ذائعا فى العقول والألسنة منذ تحفظ ناديا ليفربول وأرسنال البريطانيان على إتاحة الفرصة لطيبى الذكر محمد صلاح ومحمد الننى للمشاركة كما تقضى اللوائح الدولية مع الفريق القومى لمصر فى مباريات مؤهلة لحضور كأس العالم فى كرة القدم. التحفظ استند إلى وجود قائمة حمراء لستين دولة رأت الدولة البريطانية أنها لابد أن تخضع لقواعد مقيدة فى الدخول والخروج بسبب جائحة كورونا مما يخل باحتياجات الأندية وقدراتها التنافسية فى نظام كروى يخضع تماما لقواعد السوق الاقتصادية والرياضية. ما جرى حتى الآن كان سلسلة من الحوارات والمفاوضات بين الاتحاد المصرى لكرة القدم والأندية الإنجليزية دارت حول مدى الالتزام البريطانى بالقواعد الخاصة بالاتحاد الدولى لكرة القدم الفيفا والتى تلزم الأندية المحترفة بإتاحة اللاعبين للمشاركة فى مباريات الفرق الوطنية. أحيانا خرج الكلام لمحاولة لقسمة القضية حسب ظروف الأندية البريطانية ما بين مباراة أنجولا التى يتنازل فيها الاتحاد المصري، ومباراة الجابون التى تتنازل فيها الأندية البريطانية للفريق القومى لمصر. وأحيانا دار الحديث حول استخدام طائرة خاصة تأخذ اللاعبين من إنجلترا وبالعكس بحيث لا تمس أقدامهما تراب دولة ثالثة فيكون بعدها حجر وعزل تحتمه القائمة البريطانية. وحتى تكون الأمور واضحة وخالية من التعسف، فإن الإجراء البريطانى لا يخص مصر وحدها، فهناك ستون دولة أخري، ولا هو موجه ضد لاعبين عبرا بقوة عن رغبتهما اللعب فى فريقهما الوطني، وإنما هى شاملة لعشرات اللاعبين الذين تنطبق عليهم قواعد الاتحاد الدولى فى الخروج من السوق الرياضية البريطانية، إلى السوق الرياضية للتنافس الدولي.

المؤكد أن هناك كثيرين أكثر منى معرفة بوقائع ما حدث وتفاصيلها، ولابد أنه كان على المصريين أن يتمسكوا بقدر كبير من برودة الأعصاب الذى هو ليس من الصفات المصرية الذائعة؛ ولكن الثابت هو أن مسألة القائمة هذه هى من أمور السيادة التى زادت حساسياتها منذ بدأت جائحة الكورونا وحتى وقت كتابة هذه السطور. ولكن السؤال الذى يبدو ملحا هو لماذا تظهر هذه القائمة الحمراء البريطانية الآن؛ ولم تبدأ من قبل، وخلال الفترة التى كانت الجائحة كاسحة فى أراضى الجزر البريطانية كلها؟ وهل هذه القائمة فاعلة فى حماية بريطانيا من تسرب فيروس يأتى من بين أقدام اللاعبين؟ الأهم هو ماذا سوف يحدث فى النظام الدولى كله إذا ما قامت كل دول العالم بإعلان قائمة حمراء تحدد هى وحدها وبشكل مطلق قواعد العمل بها من منطلقات سيادية؟ المؤكد أن ذلك إذا ما حدث فإن حالة من الفوضى الدولية سوف تحدث، يرتبط بها أنواع من المعاملات الثأرية، وساعتها سوف تتأخر كثيرا إمكانات التعافى من الوباء فى العالم كله، ومعها لا يخرج الاقتصاد الدولى من الكارثة التى ألمت به؟ ولماذا لا يجرى فيما يخص هذا الموضوع استخدام منظمة الصحة العالمية حيث يمكن لإجراءات التشاور الدولية أن تضع قواعد عامة تلتزم بها كل دول العالم، كما هو حادث بالفعل فيما يخص السفر والانتقال من دولة إلى أخرى وتوابعهما من إجراءات؟ أليس ذلك هو مهمة وجود نظام دولى يعتنى بالسفر والمرض وما سوف يجد على العالم من أحوال عابرة لحدود الدول والقارات؟

ما سبب قدرا غير قليل من الاستفزاز فى الإجراء البريطانى ليس مدى شرعيته من عدمها، ومدى علاقته بالسيادة البريطانية قربا أو بعدا، وإنما كفاءة التعامل مع أوضاع لم يعد هناك بد من التعامل معها بقدر كبير من العقلانية والحكمة، بعد أن أصبح المعتاد الجديد هو التعايش مع الجائحة. قبل فترة قصيرة ذهبت إلى الولايات المتحدة وخرجت منها إلى مصر مرة أخري، وفى الحالتين سارت الأمور وفق قواعد دولية تتمثل فى ضرورة إجراء اختبار PCR قبل السفر بمدى زمنى قدره ٧٢ ساعة وعرضه على شركات الطيران المعتمدة. جرى ذلك فى الذهاب من مطار القاهرة، ثم فى مطار الترانزيت، حتى مطار الوصول. وتمت هذه الإجراءات فى كمالها ودقتها فى مطارات متعددة، وللحق فإن الإجراءات تجرى فى مطار القاهرة الدولى تماما كما جرت فى مطار جورج بوش الدولى فى هيوستن تكساس، وفى مطار لوجان الدولى أيضا فى بوسطن ماساشوستس، وفى مطار كمال أتاتورك فى إسطنبول ذهابا وإيابا. مضى الأمر بذات الدقة التى يحترم فيها الناس قواعد المرور الحمراء والصفراء والخضراء فى عواصم ومدن وحواضر العالم المختلفة. كانت العولمة تعمل بأكثر مضامينها كفاءة فى خدمة مواطنى العالم.

لماذا يصمم البريطانيون على إقامة نظام خاص بهم، وله لون أحمر أيضا لإعاقة التعاون الدولى فى فترة عالمية حرجة؟ ولماذا تتجاوز منظمة الصحة العالمية فى وضع قواعد استثنائية سخيفة؟ وبالمناسبة فإنه أيا كانت اللعنات على الاستعمار البريطاني، فإن الحقيقة هى أن الإمبراطورية البريطانية التى لم تكن تغرب عنها الشمس أفادت العالم أيضا فى أمور كثيرة بما فيها نشر اختراع كرة القدم كرياضة رائعة ومثيرة. مؤخرا فإن بريطانيا كدولة لا تقع فى مقدمة دول العالم الكروية، ولكنها جعلت من سوقها الرياضية ترجمة للعولمة فى أفضل أشكالها وأكثرها متعة حيث جمعت اللاعبين من كل دول العالم لكى يقيموا مباريات ممتعة باتت الآن فى مقدمة التسويق للدولة الإنجليزية واقتصادها من خلال نخب رائعة من اللاعبين. القضية الأهم ربما من كل ذلك، أن الجائحة تمثل اختبارا كبيرا للتعاون الدولي، والمؤكد أنها لن تكون آخر الاختبارات فسوف يتلوها الكثير وتتعدد وراءها مصادر الخلاف العالمي. القائمة الحمراء البريطانية هى خروج غير مقبول وغير مبرر على نظام عالمى كثيرا ما بشرتنا المملكة المتحدة بأهميته وحكمته.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.