.
.
.
.

هروب القروي وأزمة النخبة التونسية ما بعد 2011

مختار الدبابي

نشر في: آخر تحديث:

أرسل هروب نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس، خارج البلاد بشكل غير قانوني وإيقافه في الجزائر بتهمة اجتياز الحدود خلسة رسالة رمزية عن هوية الطبقة السياسية التي حكمت تونس خلال العشرية الماضية، ومفاد هذه الرسالة أن النخب التي حكمت في مجملها جبانة ومتقلبة وتخاف من المحاسبة ومواجهة القضاء.

ما الذي يجعل رئيس الحزب الثاني من حيث التمثيلية في البرلمان، والرجل الذي خاض الدور الثاني من الانتخابات وكاد يكون رئيسا للبلاد، يختار الهروب من مواجهة الواقع وبطرق ملتوية وبالاستعانة بأشخاص تثار شبهات حول ارتباطهم بشبكات التهريب؟

ما هي الرسالة التي يمكن أن يوجهها لأنصاره، وللناس الغاضبة من حكم الأحزاب خلال عشرية عرفت فيها البلاد كل الأزمات والمصائب بدءا من الإرهاب إلى تراجع الخدمات وغلاء الأسعار وتفشي البطالة؟

لا شك أنها رسالة بليغة عن مستوى الطبقة السياسية وانتهازيتها التي قادت البلاد إلى الفوضى.

أن يهرب القروي وحزبه كان شريكا في حكومة كانت ترفع شعار الإصلاحات والالتزام بالقانون، فهذا اعتراف منه بأنه لا يلتزم بالقانون ويخاف من فتح ملفات الفساد التي يتهم بها، وهو عاجز عن تبرئة نفسه، حتى وإن كان بريئا فهو يقدم مبررا للناس لتزيد من حجم شكوكها فيه، وفي كل من شارك في الحكومة الأخيرة.

كان عليه أن يعطي المثل لأنصاره ولشركائه في الحكم بأنه على استعداد لأي تحقيقات قضائية أو أمنية لإثبات براءته، وتأكيد أن ما حيك ضده في السابق كان مؤامرة من خصم سياسي دأب على اتهامه هو وأنصاره بفبركة ملف الفساد ضده.

بعد الهروب غير القانوني لا شك أن التهم الموجهة إليه، حتى وإن كانت بلا مصداقية، ستكون لدى الناس ثابتة ولا جدال فيها.

ولم يكن القروي النموذج السيّء الوحيد للطبقة السياسية السابقة التي ملأت الدنيا ضجيجا وصخبا بالشعارات والمعارك الوهمية.. أين تلك الوجوه التي كانت تدّعي النزاهة وترفع التحديات والتهديدات في وجه الكل؟ لقد اختفى الجميع ووضعوا رؤوسهم في الرمل.

أن يهرب القروي وحزبه كان شريكا في حكومة كانت ترفع شعار الإصلاحات والالتزام بالقانون، فهذا اعتراف منه بأنه لا يلتزم بالقانون ويخاف من فتح ملفات الفساد التي يتهم بها
هناك نواب برلمانيون هاربون من القضاء، وكان الأجدر أن يعطوا المثال في الاحتكام للقانون خاصة أنهم كانوا يوحون للناس بأنهم أمناء على العدل والنزاهة والشرف، لكنهم في أول اختبار فروا إلى السرية.

والمثير للاستغراب أن العشرات من النواب قد اختفوا تماما، وحتى أنهم لم يقولوا كلمة واحدة بشأن قرار تجميد البرلمان ورفع الحصانة عنهم، هل هم مع القرار أم ضده، هل يريدون عودة البرلمان أم راضون بتجميده مرورا إلى حله؟ المهم أن يحافظوا على رواتبهم. وهذا في العرف السياسي منتهى الانتهازية.

وهناك نواب وسياسيون هربوا إلى الخارج قبل الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها قيس سعيد في الخامس والعشرين من يوليو، وتحولوا من هناك إلى أبواق تهاجم البلاد.

وقصة الاحتماء بالخارج باتت جزءا من التكوين النفسي للطبقة السياسية التونسية التي جاءت للحكم بعد 2011، فحين كانت معارضة كانت تراهن على الخارج للضغط على السلطة بدل أن تقدم هي برامجها وأفكارها على الأرض لإظهار قوتها واكتساب تعاطف الناس.

وبعد 2011 صار الارتهان للخارج جزءا رئيسيا في الثقافة السياسية لأغلب الحاكمين الجدد ومعارضيهم، حتى أنك تستطيع بيسر أن تقسم المشهد السياسي بحسب الولاءات والأجندات الإقليمية.

إن انتهازية الطبقة السياسية وارتهان أغلبها للأجندات الخارجية هو ما جعل البلاد خلال عشر سنوات تعيش حالة من الصراعات السياسية المفتوحة على المجهول، مع أن تلك الصراعات لا تهم الناس ولا تهدف إلى تطوير حياتهم ومستوى عيشهم.

ومن النادر أن تجد نقاشا حاميا في البرلمان المجمّد متعلقا بقضية اجتماعية أو اقتصادية أو صحية، كل الخلافات والصراعات التي أساءت إلى الانتقال الديمقراطي في تونس كانت مرتبطة بحسابات الخارج وأجنداته، وهو ما جعل البرلمان معزولا عن الناس ومثل سقوطه بمثابة هدية من السماء أنقذت التونسيين من وجع الرأس الذي دخل إلى بيوتهم من خلال النقل المباشر للجلسات واستدعاء النواب والسياسيين إلى البلاتوهات التلفزيونية في أوقات الذروة.

لم يكن التجاء بعض السياسيين إلى وسائل الإعلام الأجنبية لإظهار معارضتهم لإجراءات الخامس والعشرين من يوليو ذا قيمة في نظر الشارع بقطع النظر عن مشروعية ما يقولونه من عدمها. ما كان يراه الناس في تلك الإجراءات أنها حرّرتهم من مرحلة صعبة وقاسية أغرقت البلاد في الشعارات والوعود ووظفت كل إمكانيات البلاد في خوض الصراعات ذات الأجندات الحزبية والخارجية.

وترى الآن أن وجوها سياسية كثيرة من أولئك الذين قادت أحزابهم وكتلهم البرلمانية البلاد إلى الفوضى عادوا ليعترفوا بأن الناس على حق، وأن إجراءات الخامس والعشرين من يوليو كانت مبررة. وسواء أكان هذا الكلام اعترافا بالحقيقة ونقدا ذاتيا أم مناورة، فإن النتيجة واحدة هي تأكيد قناعة الناس بأن المرحلة السابقة كان لا بد أن تسقط وأن ما قام به قيس سعيد مطلب شعبي وإن اختلف السياسيون في تقييمه سياسيا وقانونيا.

الفرز جليّ في أذهان الناس بين مرحلة سابقة كان عنوانها الصراع على الكراسي وتغيير القوانين وبناء الهيئات لأجل تحقيق ذلك، ومرحلة حالية عنوانها خدمة الناس ومحاربة الفساد والاحتكار. والناس تتعامل بحماس مع المرحلة الجديدة بالرغم من النقائص، ومحاذير أن يقود شخص واحد بنفسه مهمة تغيير كل شيء.

لا تزال شعبية الرئيس التونسي قيس سعيد في ارتفاع بسبب خطواته في مكافحة الفساد وضرب الاحتكار التي جعلته يبدو في صورة المنقذ الذي انتظره التونسيون كثيرا.

ويعتقد الكثير من المواطنين أن الرئيس سعيد ينفذ ما يطلبون بالضبط، خاصة استهداف الفاسدين، وهو الأمر الذي فشلت فيه الحكومات السابقة. ببساطة يرى الناس أن قيس سعيد ذهب إلى الهدف مباشرة، ووضع يده على الداء الذي نخر البلاد، وهو الفساد، فيما عمدت حكومات وأحزاب وشخصيات سابقة إلى التحالف مع اللوبيات وخدمة أجنداتها، وتناست مطالب الناس.

ما يهم الرئيس سعيد الآن هو إعادة الثقة بين الدولة والناس، واستعادة الحماس للتغيير الذي جلبته الثورة في 2011، وهو الخطوة الأهم بالنسبة إليه خاصة أنه حاز على ثقة نسبة عالية من الناخبين ومن واجبه طمأنتهم. لكنه الرئيس الذي يتكلم بشكل يومي في قضايا الناس المختلفة لا يريد أن يقول شيئا يلزم نفسه به، وأن لكل شيء وقته الخاص.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.