.
.
.
.

أجيال الجهاديين الأربعة

ماهر فرغلي

نشر في: آخر تحديث:

يتحدث عبيد الخليفى عن ثلاثة أجيال كبرى للتفكير الجهادى المعاصر، لكل جيل منظّره: جيل أول يمتد من جمال الدين الأفغانى إلى سيد قطب، وجيل ثانٍ يمتد من سيد قطب إلى عبدالله عزام (ت 1989)، مؤسس الجهاد العالمى فى أعماله المجمعة تحت عنوان «موسوعة الذخائر العظام فى ما أثر عن الإمام الهمام الشهيد عبدالله عزام» (4 مجلدات)، وجيل ثالث منظّروه الأبرز: أبومصعب السورى، وأبوبكر ناجى، وعبدالله المهاجر.

برأيى أنهم أجيال أربعة وليسوا ثلاثة، وأعتقد أن جيل «الأفغانى» هو الجيل الأول الذى تميز بالإحيائية للإسلاموية، حيث كان الاختراق الاستعمارى لبلاد ومجتمعات العالم الإسلامى، والرد على ذلك بالأسس الأصولية والسلفية، وهذه الفترة اتسمت بتأصيل «الهوية الإسلامية» كمركز لمقاومة الاستعمار، وإبراز (الإسلام هو الحل)، وهو الشعار البرامجى للإخوان فيما بعد، التى مع انهيار الخلافة العثمانية صعدت وأصّلت لمفهوم الدولة الإسلامية، وصنعت الجيل الثانى الذى كان يمر بفترات مد وجزر ثورية وحركية، بسبب تأثراته بمشاريع التثوير التى صنعها أمثال أبوالأعلى المودودى، وعبدالقادر عودة، وسيد قطب، وكان من أهم ميزاته انتقال الصراع مع الاستعمار إلى الدولة الوطنية على أسس سلفية، ومقاومة تأثيرات الحداثة بكل صنوفها، وكذلك التركيز فى آن واحد على الفعل والممارسة والأفكار والأيديولوجيا، وبروز الأنظمة الخاصة السرية العسكراتارية.

أما الجيل الثالث فبدأ من الحرب الأفغانية، حيث انتقل الجهاد من المحلية ليكون تضامنياً، وفى هذا الجيل شهدنا إنشاء تنظيمات عابرة للقارات، مثل «القاعدة»، التى أصبح فيه خطان متوازيان على الصعيد الأيديولوجى؛ كان الأول هو تنظيرات سيد إمام الشريف حول تكفير الأعوان، وتنظيرات تنظيم الجهاد المصرى و«الظواهرى»، واستمرار التشظى فى السودان، لينتهى ذلك فى العراق فى بروز تنظيم داعش وتبنيه لتلك النظريات.

نحن الآن مع الجيل الرابع الذى بدأ مع إعلان الخلافة على يد «البغدادى»، وهو جيل أصبح فيه خطان متوازيان من الناحية الاستراتيجية؛ الأول يؤمن بمركزية التنظيم وأفكاره، والآخر يريد المحلية الجهادية، لذا شهدنا فيه بروز نسخ قاعدية جديدة، قد لا تحمل اسم «القاعدة»، لكنها تحمل بصماته، كما شهدنا تغيراً جذرياً فى أسلوب التنفيذ، بحيث يميل بعضها لتبنى النمط «الداعشى» فى عملياته، فى مقابل تغيرات محدودة فى عقيدته الفكرية فيما يتعلق بأولويات القتال من حيث طبيعة العدو المستهدف، وهل العدو البعيد أم القريب أولى بالقتال.

مع هذا الجيل الرابع وجدنا نظريتين داخليتين تحاولان تفسير أو بيان ماهية ما يحصل بالتنظيم عقدياً؛ الأولى تعتقد أنها تنظيم عالمى وحيوى، يعتبر أن السلطات الحاكمة كافرة، وعميلة للخارج، ولن ينفع معها إصلاح، ويرفض أى بناء لا يتوافق مع ما يؤمن به من عقيدة، ويرفض تنزيل الأحكام على الواقع، ويتعامل معه مجرداً دونما قياس على الزمن أو الظرف الآنى، كما أنه يوسع مفهومه عن الطاغوت، ليشمل، إلى جانب غير الموحدين والمشركين والمبتدعين، الأنظمة الوضعية التى تعمل لصالح النظام العالمى من وجهة نظره، والثانى يرى أنه يمكن التعامل مع المختلف معه عقدياً، وبدأ يطور مفهوم الولاء والبراء ليشمل غير الموحدين، وفى جل الإصدارات الأخيرة لـ«القاعدة»، وكلمات «الظواهرى» المسجلة، كانت هناك عملية إحيائية لنواقض الإيمان، وتفصيلها بشكل تم فيه الإفراط فى استخدامها، وإضافة نواقض جديدة عليها، مثل «التوكل على الله»، وأصبحنا نرى خلافات علنية حول من يعذر بالجهل والتأويل، ومن لا يعذر، ومن يحكم على أعوان الحاكم بالكفر والردة، ومن يحكم عليه بمفرده، ومن يكفر الطوائف كالشيعة على العموم، ومن يقبل توبة المرتد ومن لا يقبلها، وكانت كل سردية عقدية توصل إلى ما بعدها.

على العموم فإن أهم الفروق بين تلك الأجيال أن الأول منها هو إحيائى، والثانى كان تنظيرياً حول من المسئول عن هذا الإحياء، والثالث كان تباينياً وخططياً، أما الأخير فهو تفصيلى بشكل أكبر حول قضية نواقض التوحيد المعاصرة، وفى الحديث عن الجهاد، أى الانطلاق من الخصوص إلى العموم والمفاصلة مع من أطلق عليهم «المرتدين»، وهو يتميز بمرتكزات فكرية هى:

1- الأولوية لدعوة الناس إلى التوحيد.

2- الولاء والبراء، كأوثق عرى التوحيد.

والمثير أن هذا الجيل لا يكتفى بمجرد الإعلان اللفظى للكفر بالطاغوت، بل يتدخل فى تحديد أشكال هذا الكفر.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.