.
.
.
.

ارتياح باكستاني لعودة "طالبان"... ولكن

سميح صعب

نشر في: آخر تحديث:

طوت الولايات المتحدة أطول حرب تخوضها في الخارج. ومع هذا التطور الجيوسياسي، بدأت تثار الأسئلة حول مستقبل أفغانستان، التي باتت اعتباراً من صعود قائد الفرقة 82 المحمولة جواً الميجر جنرال كريس دوناهو إلى طائرة النقل العسكرية "سي-17" فجر الثلثاء بتوقيت أفغانستان، تحت حكم حركة "طالبان" بالكامل، ما خلا جيباً في ولاية بانشير لا يزال تحت سيطرة أحمد مسعود نجل القائد الطاجيكي الشهير أحمد شاه مسعود.

والسؤال المركزي: هل تدير الولايات المتحدة ومعها دول الغرب الظهر لأفغانستان بالكامل، مع تحمل عواقب ما قد ينجم عن هذا الخيار؟ وتنقل مجلة "الإيكونوميست" البريطانية عن مستشار الأمن القومي الباكستاني مؤيد يوسف، أن مثل هذا الخيار ستترتب عليه عواقب كارثية، محذراً من الإقدام عليه، لأن من شأنه تكرار الأخطاء التي برزت عندما تخلّت أميركا عن أفغانستان عقب الانسحاب السوفياتي في الثمانينات، مثل الحرب الأهلية، وصعود "طالبان"، وتحول أفغانستان في نهاية المطاف ملاذاً للتنظيمات الجهادية بما فيها "القاعدة".

وإذا ما أدار العالم ظهره مجدداً لأفغانستان، يحذر يوسف، من أنه "سيكون هناك مزيد من موجات اللجوء، والفراغ الأمني، الذي ستستغله المجموعات الإرهابية، فضلاً عن الأزمات الإنسانية".
ويحمل تحذير المسؤول الباكستاني أهمية خاصة، كون باكستان هي التي ستتلقى أولى نتائج وقوع أفغانستان في العزلة أو الغرق في حرب أهلية أو حصول أزمات إنسانية، ستجر إلى موجات لجوء جديدة إلى الدول المجاورة، سيكون لباكستان النصيب الأوفر منها، وتضاف إلى نحو خمسة ملايين لاجئ موجودين فعلاً في الأراضي الباكستانية حالياً.

وتدرك باكستان، على رغم العلاقة القديمة التي تربطها بـ"طالبان"، نشأة ورعاية حتى بعد إطاحة الحركة عام 2001 لعدم تسليمها زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، أنه في غياب الاعتراف الدولي، لا سيما الغربي منه، بحكم "طالبان"، ستنجم عنه ظروف مشابهة للظروف التي تلت سيطرة الحركة على معظم أفغانستان في أواسط التسعينات.

ولباكستان مصلحة إقليمية في ترسيخ حكم "طالبان"، نظراً إلى أن سقوط حكومة كابول التي كانت مدعومة من الغرب، حرم الهند الغريمة التاريخية لباكستان، من حليف مهم في جنوب آسيا. ولذلك، يهم إسلام آباد تثبيت دعائم سلطة "طالبان" وعدم تعريض البلاد لمخاطر صراع داخلي جديد أو تصاعد نفوذ تنظيم "ولاية خراسان" إلى مرحلة قد تزعزع الحكم الجديد.

ومع ذلك، هذا لا يلغي وجود محاذير أمنية باكستانية ذاتية من عودة "طالبان" إلى السيطرة على أفغانستان. إذ إن انتصار الحركة، ربما يشجع حركة "تحريك طالبان" المعروفة بـ"طالبان باكستان"، على غرار حركات جهادية أخرى في العالم، على معاودة نشاطها ضد الحكومة المركزية أو ضد مصالح غربية موجودة على الأراضي الباكستانية. كما أن إسلام آباد قلقة أيضاً من احتمال تعرض المصالح الصينية لهجمات جديدة مثلما حدث في الأشهر الأخيرة، عندما جرى تفجير باص ينقل مهندسين صينيين إلى أحد السدود التي تبنيها الصين، أو كما حدث عندما تعرض فندق في مدينة كويتا لانفجار خلال وجود السفير الصيني في داخله.

ومن هنا، فإن انتصار "طالبان" أفغانستان، لا يزيل عوامل القلق بالكامل في باكستان. ويتجلى ذلك في حض الغرب على الانفتاح على الحركة ومواصلة الانخراط بشكل أو بآخر في الشأن الأفغاني، ولو عبر بوابة المساعدات الإنسانية، التي يمكن أن تخفف من تدفق محتمل للاجئين، بينما التواصل الدبلوماسي مع الحكام الجدد في كابول، يساعد في إضفاء الشرعية عليهم.
وسمة المرحلة الحالية في جنوب آسيا هي الترقب لتداعيات الانسحاب الأميركي، التي لن تكون أقل من تداعيات الغزو عام 2001.

* نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.