.
.
.
.

أزمة أفغانستان أم أزمة أمريكا؟

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

منذ وعيت على الدنيا وسمعت عن أفغانستان، كانت فى حالة أزمة كبيرة وفقر عميم، وسمة الدولة الحبيسة بلا طلة على بحر أو ماء نهر معلومة. فى الفترة الملكية كانت الدولة شكلية، على قمة نظام قبلى وطائفى تحكمه قيم تقليدية محكمة؛ وعندما جرى الانقلاب الشيوعى ذهب البلد إلى سلسلة من الحروب الأهلية التى تقطعها حروب خارجية، قائمة على احتلال القوتين العظميين فى العالم المعاصر: الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية. قيل من قبل أولى العلم، إن أفغانستان عامة كانت دوما مقبرة للغزاة، وفى التاريخ المعاصر كانت واحد من الأسباب المعلومة عن انهيار الاتحاد السوفيتى. الآن، فإن السؤال أصبح: وهل تكون أفغانستان سببا فى انهيار الولايات المتحدة أيضا؟. بالصدفة البحتة كتبت مقالا الأسبوع الماضى بعنوان «الرحلة الأمريكية»، وفى الصفحة المقابلة مباشرة كتب الدكتور محمد أبوالغار مقالا آخر عن رحلته إلى الولايات المتحدة، ولم يختلف كثيرا من حيث التقدير عن المقال المقابل. المدهش، أن د. محمد كمال، وهو من كبار كتاب «المصرى اليوم»، ومن أهم الخبراء المصريين والعرب فى شأن الولايات المتحدة، كتب مقالا ثالثا يشير إلى الحالة الأمريكية بنفس التوصيف والوصف. المؤكد أن ثلاثتنا لم يكونوا على اتفاق مسبق، ولا كان هناك اتفاق أن يذهبوا إلى الولايات المتحدة فى نفس الفترة الزمنية، وإن اختلفت الظروف الذى حدث أنها جرت فى ولايات عدة فى شرق أمريكا وغربها.

د. محمد طنطاوى المتخصص المصرى الأمريكى فى الأنثروبولوجيا الثقافية وعلوم المناخ، كتب معلقا على مقالى: إن كنتم قد سلّطتم الضوء على «فوالق» fault lines تشق الولايات المتحدة شقاً، سياسياً، فإن فى مشاهد المجتمع الأمريكى بل البيئة الطبيعية الأمريكية ما يشير إلى فوالق مماثلة إن لم تكن أكثر عمقاً، اجتماعياً، فليس أدل على تفتت وتشظى لُحمة الأمريكيين من ذهاب أقاليمهم المتنوعة كل مذهب بعيداً عن مبادئ وقيم سادت إلى عقود قليلة مضت، لعل أهمها «قيم العمل» work ethic. فالأجيال الجديدة، خاصةً من أبناء المهاجرين الجدد، ربما لا تعرف كثيراً عن تاريخ الولايات المتحدة.. بل ربما لا تأبه أن تتبنى قيماً كانت راسخة للاندماج. ومَرَد ذلك عوامل كثيرة للغاية منها زيادة الثقل الديموجرافى للأقليات خاصة اللاتينية والآسيوية. من هنا، فإن الولايات المتحدة حالياً ربما بداية من هذا القرن قد اتخذت منحنى مغايراً للقيم المؤسسة والجامعة لها، وصارت أفكار كانت إلى وقت غير بعيد من قبيل الخيال أو الترهات، مثل انفصال ولايات معينة (مثل تكساس) عن الاتحاد الفيدرالى، واقعاً معاشاً فى أحداث كثيرة حديثة، لعل أشهرها الجدل حول علم الكونفدرالية الممثل لاتحاد ولايات الجنوب أثناء الحرب الأهلية الأمريكية فى القرن التاسع عشر. وأما مناخياً، فحدّث ولا حرج. فإذا كانت الولايات المتحدة قد صارت مضرب المثل فى الفشل فى السيطرة على جائحة «كورونا» على أراضيها، فإن عدداً لا بأس به من التغيرات المناخية التى تهدد جميع الأراضى الأمريكية من الجهات الأربعة كافة قد صار، فى رأيى، دليلاً أكثر بلاغة على ما صارت وتصير إليه الولايات المتحدة. فمن حرائق الغابات بطول الساحل الغربى، مروراً بالأعاصير فى وحول خليج المكسيك وولايات الجنوب، وليس انتهاءً بموجات التصحر والجفاف التى تضرب أخصب الأراضى الزراعية على الإطلاق فى الغرب الأوسط، وولايات الساحل الغربى (خصوصاً كاليفورنيا) - يبدو المشهد البيئى الطبيعى الأمريكى كما لو كان أحد المشاهد المألوفة فى أفلام هوليوود عن «يوم القيامة»، و«اليوم التالى»، و«الفضائيين»، إلى غير ذلك. (انتهى التعليق).

وللحق فإن كثيرين من الكتاب الجادين فى الولايات المتحدة الذين أخذوا الموضوع جدا، فبحثوا فى أصول المسألة الأمريكية وليس فقط العودة إلى ما جرى فى أفغانستان من التكلفة البشرية، أو الكلفة المادية التى تعدت التريليون دولار، أو حتى أزمة الخروج بعد عشرين عاما من البقاء والتصعيد والإنفاق على الدولة الأفغانية، حتى جاء انهيارها وتسليمها المفاجئ. أم أن هناك أبعادا أكثر عمقا فى التركيبة والقيم الأمريكية تجعلها تصل إلى هذه النقطة، ليس فقط فى أفغانستان ومعها العراق ومن قبلهما فيتنام؟، أم أن الحقيقة هى أن العالم قد تغير كثيرا؟، فالولايات المتحدة نجحت من قبل فى اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية، وكان ذلك زمنا آخر، وآن الأوان للتعرف على زمن وعالم جديد. والحقيقة هى أن المعرفة بالولايات المتحدة ربما تكون معرفة بالعالم كله، نظرا لتداخلها الشديد فى كل ما يحدث فى العالم، ولكن هذه قصة أخرى تتطلب مقالا آخر.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.