.
.
.
.

أميركا و"طالبان" والإرهاب ... مواجهة أم شراكة

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

المجتمع الدولي أمام خيارات صعبة تتعلق بضرورة الاعتراف بالإمارة الإسلامية التي رسمت ملامحها الولايات المتحدة الأميركية مرتين، مرة بانسحابها المفاجئ من أفغانستان، ومرة أخرى بفشلها في تكوين حكومة قوية تكون قادرة على إدارة شؤون البلاد في حال الانسحاب، فضلاً عن الفشل المضاعف في بناء قدرات الجيش الأفغاني، والذي أنهار في ساعات قليلة أمام حملة البنادق من حركة "طالبان".

ما حدث في أفغانستان يجعلنا نصف الولايات المتحدة، إما بالفشل في إدارة المواجهة مع جماعات العنف والتطرف في أفغانستان بعد عقدين من الزمان، والتي رأت خلالهما بتطرف حركة "طالبان"، ثم غيرت وجهة نظرها بعد 20 عاماً من الغزو الأميركي الذي كلّفها قرابة تريليون دولار ويزيد فضلاً عن الخسائر البشرية حتى غيرت من وجهة نظرها، وبالتالي قامت بالتفاوض مع الحركة وترتيب وصولها إلى السلطة في البلاد.

قد تكون الولايات المتحدة الأميركية فشلت في إدارة ملف الإرهاب مع حركة "طالبان" وتنظيم "قاعدة الجهاد"، وقد تكون خططت لوصول الحركة إلى سدة الحكم، وهذا هو الأخطر وما نميل إليه، وأنها ما أرادت أن تقضي عليها، بل بالعكس حافظت على وجودها، وها هي الآن تخرجها من القمقم وتدير من خلالها الصراع السياسي والاقتصادي مع المارد الآسيوي الملاصق لحدود الإمارة الإسلامية الوليدة.

ترصد الولايات المتحدة الأميركية صعود الصين السريع وتخشى أن تأخذ مكانها في قيادة العالم، وبالتالي فهي تعيق هذا النمو إما بقرارات اقتصادية تحد من الصعود والنمو معاً، وإما بقرارات استراتيجية تساعد في تفكيك الإمبراطورية الصاعدة أو على الأقل إعاقتها ... هذا ما خططت له على مدار عقدين من الزمان ونفذته منذ أسابيع قليلة، ولعل سيطرة "طالبان" على أفغانستان بهذه السرعة إحدى أهم ثمارة.

من يعتقد أن للولايات المتحدة الأميركية استراتيجية في مواجهة الإرهاب فهو مخطئ، ومن يظن أنها تسعى لمواجهة الإرهاب مهما كانت تحدياته فهو مخطئ أيضاً، أميركا استخدمت وما زالت جماعات العنف والتطرف وطوّعتها خدمة لمصالحها السياسية، ولعلها في ذلك سنّت سُنّة سيّئة أو قلدت كثيراً من الدول الأخرى في هذا السلوك الشاذ، ولعل عودة "طالبان" للسلطة إحدى إفرازات التفكير بهذه الصورة.

"طالبان" حركة متطرفة، يعلم ذلك القاصي والداني، من تتّبع سلوك الحركة عندما وصلت إلى السلطة في عام 1996 وحتى انتزاعها منها في 2001 على خلفية الغزو الأميركي يعلم ويدرك ذلك من واقع سلوك وممارسة هذه الحركة، خصوصاً الأفغان أنفسهم الذين أصطدموا بوصولها إلى السلطة فقرروا الهجرة خارج البلاد، وما زالت طلبات الهجرة ومحاولة اقتحام الحدود المجاورة للهرب من نار "طالبان" قائمة.

الرهان على "طالبان"، إما أنه رهان على قدرة الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الإرهاب في منطقة آسيا الوسطى، وهو رهان خاطئ، فقد فشلت الدولة العظمى في مواجهة "القاعدة" في هذه المنطقة، والأدل على ذلك أنها غزت أفغانستان بهدف معاقبة التنظيم بعد ضرب برجي التجارة العالمية في عام 2001، ولكنها فشلت في اغتيال أسامة بن لادن إلا بعد 10 سنوات كاملة وتحديداً في العام 2011، وخرجت من أفغانستان ولم تستطع الوصول إلى زعيم التنظيم الحالي أيمن الظواهري، ولا قادتة ومساعدوه، بما يدل إلى أن التنظيم ما زال قوياً، وأنها إما خرجت عن هدفها في مواجهته أو أنها لم تُرد هذه المواجهة في الأساس.

وقد يكون رهان البعض على أن الولايات المتحدة الأميركية تتعامل بشكل قيمي مع العالم الذي تحكمه، وبالتالي لن تستخدم جماعات الإسلام السياسي في مواجهة خصومها، وهذا رهان خاطئ لا يمكن الاعتماد عليه، كما أن كل الشواهد أثبتت عكسه تماماً، مخطئ من يعتمد على أميركا في مواجهة جماعات العنف والتطرف.

أميركا دولة شريكة ولكن لما قد يخدم مصالحها وكثيراً وضعت يدها في يد جماعات العنف والتطرف وتنظيمات الإسلام السياسي طالما كانت هناك أهداف سياسية من وراء ذلك، ولا بد أن يتعامل معها العالم على هذا الأساس، فلن تغيّر سلوكها مهما تغير العالم من حولها ومهما وصل خطر جماعات العنف والتطرف، ويبدو أن المواجهة الأحادية للإرهاب هو شعار هذا العالم ... قد تكون هذه المواجهة كشفت الولايات المتحدة الأميركية، وقد تكون قدمت نموذجاً للعالم في ضرورة ما ينبغي أن يكون وهو ما لا بد أن يأخذ به العالم وسط أمواج العنف المتلاطمة في كل مكان.

القادم أسوأ على هذا العالم، هذه العبارة على قدر خطورتها تكشف عن ملامح المستقبل الذي رسمته وما زالت الولايات المتحدة في أفغانستان. هذه الجملة ليست سوداوية بقدر الظلام الذي يطل على العالم جراء إتاحة فرصة لإمارة إسلامية سوف تكون حاضنة لكل جماعات العنف والتطرف. قراءة المستقبل جزء من قراءة الواقع القريب والتنبؤ بما قد يحدث من أهم متطلبات هذا الواقع.

التحدي الأكبر الذي تواجهة الصين هو وجود عدد ضخم من الأعراق والأديان داخل هذه الدولة، فلو دب الصراع داخل بكين لانهارت مثل كثير من الممالك، وهنا لم ترَ أميركا غير الدين حتى تستخدمة لإحداث هذا الصراع، ولعل ذلك سبب انتقادها لممارسات الصين ضد مسلمي الإيغور، ولعل سلوك الصين ضد هؤلاء المسلمين نابع من خطورة الإعلان عن الهوية على استقرار الصين، وهو ما تجرمه الصين، لأنه قد يؤدي إلى انهيارها للسبب الذي ذكرته سابقاً.

هذا هو ما دفع واشنطن إلى تدشين الإمارة الإسلامية على حدود الصين، إمارة تتوافر فيها كل المقومات التي تدفع للفوضى والعنف، كمحاولة لإعاقة الصين عن تقدمها وحتى تنشغل في مواجهة "طالبان" ومسلمي الإيغور أو تنظيم "القاعدة"، والذي تعتقد أميركا في أنه لن يصمت على ممارسة الصين ضد مسلمي الإيغور.

اختبار صعب للصين وروسيا، ولكن كلتا الدولتين حاولتا القفز أمام الفخ الأميركي، وأقامتا علاقات حميمية مع حركة "طالبان"، ودعما وجودها حتى يظهر خلاف ذلك فيرفعا الغطاء عنها، وهذا ما يؤثر في جهود مواجهة الإرهاب الدولية، ولعل الاختيار الصعب للمجتمع الدولي الذي ما زال يرفل من السلوك الأميركي الداعم للإرهاب.

دخول الولايات المتحدة الأميركية إلى العراق أنتج تنظيم الدولة الإسلامية والذي تطور مع سنوات الغزو حتى بات لهذا التنظيم شوكة ونجح في 29 حزيران (يونيو) من العام 2014 في إقامة دولته. غزو أميركا لأفغانستان كان بهدف إسقاط حكم "طالبان" واصطياد قيادات "القاعدة" المتورطين في التخطيط لهجمات أيلول (سبتمبر) 2001، وها هي الآن تخرج من أفغانستان بتدابير تُعيد فيها الأمور إلى ما كانت عليه قبل 20 عاماً. ليس هذا فحسب ولكنها تساعد في رسم ملامح هذه الإمارة التي ترى ضرورة في وجودها، وهنا يمكن القول: إن دخول أميركا إلى العراق وأفغانستان أنتجا "داعش" وقوّى شوكة "القاعدة" و"طالبان"!

لا بد من أن يدرك المجتمع الدولي مدى عزوف الولايات المتحدة الأميركية عن مواجهة الإرهاب وأن يضع ذلك في تقديره الصحيح وأن يتعامل معه، وهو ما يتطلب ضرورة انشاء حلف دولي تكون مهمتة مواجهة النزيف الحاد بسبب السياسات الأميركية الرامية لاستغلال جماعات العنف والتطرف وتأثيرها السلبي على استقرار دول العالم، ولا بد من أن يتطور هذا التحالف لمواجهة الدول التي تنحرف بسلوكها تجاه التعامل مع هذه التنظيمات.

ولنكن أكثر صراحة، المجتمع الدولي إما أنه يدور في مدار واشنطن، وبالتالي لن يكون جزءاً من أي تحالف يقف أمام رغباتها، وإما أنه ضمن معسكر الشرق ممثلاً في الصين وروسيا ومن دار في مدارهما، وهما من وقعا في فخ الدعم والاحتواء بهدف عدم الوقوع في وحل الصدام مع هذه الجماعات المتطرفة الذي رسمته المخابرات المركزية الأميركية، ولذلك من المهم أن يبدأ هذا التحالف عربياً حتى يتمدد ويجد فرصة وجوده دولياً وعالمياً، وبالتالي يقف أمام شراكة واشنطن مع تنظيمات العنف والتطرف.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.