.
.
.
.

طالبانستان ٣

بين الحركة وتنظيم الدولة الإسلامية

د. محمد بدوي مصطفى

نشر في: آخر تحديث:

الرأي العربي بين مؤيد ومستنكر:

لقد تطرقت يا سادتي في المقال السابق عن انتشار مقاطع فيديو حقيقة مؤلم بمطار كابل بعد سيطرة طالبان على العاصمة تمامًا، نشاهد فيه هروب الأفغان جماعات وفرادى، يقصدون المطار والطائرة المنشودة التي حسبوا أنها ستقلّهم إلى برّ الأمان وإلى دنيا أخرى غير دنياهم البائسة التي حتمّت عليهم رجوع وحوش البراري من بني طالبان. لقد انتشرت هذه المقاطع المحزنة في آلاف مواقع وصفحات التواصل الاجتماعي وانتشرت فيها كانتشار النار على الحطب وانشطر حينئذ الرأي العام العربي، لا سيما في تلك المواقع، بين أولئك المؤيدين الذين احتفوا ايما احتفاء بانتصار دولة الإسلام على جحافل الحملة الصليبية المتمثلة في جيوش الدول الغربية. ونجد في هذا الزخم فئة أخرى معارضة تمامًا لما آل إليه الحال في هذا البلد، مبدين تضامنًا مع الشعب الأفغاني وبدون أي شروط. إنّ المثير في الأمر أن الرأي الذي يسوق القول بأن حركة طالبان ما هي إلا تنظيم منفرد ومنفصل تمامًا عن الدولة الإسلامية، التي قتّمت بتاريخيها وأفعالها البشعة صورة الدين الإسلامي وسماحته، وأن ليس لها أي علاقة بحركة طالبان بأي صورة من الصور، لا من بعيد ولا من قريب. وهذا رأي - مع الاعتذار - غثّ، بغيض وفيه من المفارقة ما فيه، ولا يقبل، فحركة طالبان والدولة الإسلامية المزعومة، كلاهما ورغم بعض التباين، صورة لشبح واحد، وما هما إلا كابوس متوحش يتلون كالحرباء، في كل الحالات، ينتظر السانحة لينقض على فريسته دون رأفة أو هوادة، وكل ما يهمّه هو الوصول إلى السلطة بأسرع فرصة وأن يستولى على مفاتح النفوذ ومنصة الأمر والنهي بالكامل وعلى أوسع نطاق، مهما كلّف الأمر، وبأي وسيلة كانت، والغاية تبرر الوسيلة وحدث ولا حرج، وأن همّه الذي جاء من أجله هو نشر الإسلام الحق الذي يقتضي في نظره تكبيل حريات البشر، حذف المشهد النسائي من خارطة الوجود الاجتماعية، ولا أعلم ما هي الدوافع في كل هذه البشاعات، اللهم إلا مرض نفسي عضال صعب العلاج، لهؤلاء وأولئك الذين أساءوا للإسلام بممارساتهما الوحشية. على كل فطالبان والدولة الإسلامية التي شهد العالم جلّه فظاظتها منذ عقدين ونيف من الزمان لا يختلفان في الجوهر والهدف كثيرًا وسوف نطرح نقاط الالتقاء والاختلاف بين هذين الكابوسين: حركة طالبان والدولة الإسلامية، وهل يسبب أحدهما خطرًا على الآخر رغم تشابههما في الأهداف والسبل وفي قضايا فرض السلطة.

حركة طالبان والدولة الإسلامية - وجه لوجه:

إنّ الكل على علم بفعال حركة طالبان وبملامح تنظيم الدولة الإسلامية، وأنهما خلقتا ونشأتا من رحم التنظيمات السلفية الجهادية التي كانت تسيطر على المشهد السياسي في الخمسة عقود المنصرمة. أمّا فيما يتعلق بحركة طالبان بالذات فهي نشأت في أوائل التسعينيات وذاع صيتها في منتصفها في إقليم شمالي باكستان، ذلك عقب انسحاب جيوش الاتحاد السوفيتي من أفغانستان. إن وجود جماعات كبيرة في معسكرات تدريب متعددة بدولة ذات سيادة كباكستان يطرح العديد من التساؤلات: كيف حدث ذلك وما هي الأسباب والنتائج التي تنبثق من هذه الائتلاف أو التحالف؟ وفي هذا السياق نجد وجه الشبه واضحا بينها وبين دولة السودان حيث طفقت هذه الأخيرة تساند وتعاضد امتداد الزحف السلفي فيها وكما نعلم أن السودان - كما باكستان - احتضنتا المجاهدين بغية تدمير النظم العالمية للأمن والسلام ومنذ تلك الحقبة يعيش العالم كابوس الألسمة والأسلفة للتنظيمات المناوئة للغرب المسيحي. أما فيما يتعلق بالرجوع إلى تنظيم طالبان وبداياته في الدولة الباكستانية نجد هذه الأخيرة قد نفت مراراً وتكرارًا ضلوعها أو مسؤوليتها في تأسيس دولة طالبان على أراضيها والاعتقاد السائد يسوق البينات إلى أنّه وعلى نطاق واسع بدأ تنظيم طالبان الظهور بادئ ذي بدء في المدارس القرآنية والمعاهد الدينية التي صبغت بصبغة السلفية والجهادية والتي تبنت منذ نشأتها نهجًا محافظا والتي كانت تعتمد في صيرورتها ودوامها على أيادي خارجية تمولها وتسهر على استدامتها لأسباب ليست بالدينة فقط ولكن أيضًا توسعية وأيدولوجيّة.

من المفارقات أن تتفاوض أمريكا بعد فشلها في تحويل دولة أفغانستان إلى ديموقراطية في المنطقة مع حركة طالبان ذلك وبعد تسعة عشر سنة من الحرب معها. ولنذكر أنه حينما وصلت طالبان إلى كرسي السلطة وفرضت نفوذها بيد فولاذية على هذا البلد في عام ٢٠٠١ لم تعترف بها سوى ثلاث بلدان منها الإمارات وباكستان. وقد تولى وقتئذ الملا عمر الزعامة فيها وخلّفه الملا منصور الذي أطاحت به غارة أمريكية في عام ٢٠١٦ وقد حلّ محله نائبه المولوي هبة الله أخوند زاده، والذي عرف عنه بطشه وتسلطه المنقطع النظير. أما نظيرتها، الدولة الإسلامية، فتقول التحاليل السياسية في الأمر أن سبب انتشارها وصعودها المفاجئ يرجأ إلى عدة عوامل منها الغزو العراقي للعراق في عام ٢٠٠٣، ومساندة الحكومة الشيعية الإيرانية للمليشيات الشيعية في المنطقة ومن ثمّة وجود تيار الإسلام السياسي المتفشي في المنطقة والذي تدعمه إيران أيضًا والذي يعتبر الأم الرؤوم لتشدد وتعصب تنظيم الدولة الإسلامية كما شهد التاريخ لها والعالم. من جهة أخرى هيئت الحرب في سوريا بيئة خصبة لنمو التنظيم وتوسعه في المنطقة وانتشر بسرعة فائقة وبدأ الزحف على دول الجوار ومناطق أخرى في العالم الواسع، وكما رأينا أنها استقطبت كل الفاشلين والحاقدين في الدول الأوروبية لينخرطوا في صفوفها من أجل محاربة "الغرب الكافر".

الحركة والدولة الإسلامية وكلاء على الإسلام والمسلمين:

إن تاريخ كل من تنظيم طالبان والدولة الإسلامية يرى نفسه ممثلًا للإسلام الحقّ الصافي المتنزه عن كل النقائص، إنّه الإسلام الحقيقي كما يزعمون، الذي كان النهج الأول والأخير للسلف الصالح، لذلك تبنّت حركة طالبان والدولة الإسلامية فكر التشدد والعصبية الذي يختلف اختلافًا جوهريًا عن فكر الإسلام السائد. ويبرر الفريقان بشاعاتهما وفظاظتهما على أساس مرجعيات سلفية متشددة لأبعد الحدود، أمثال ابن تيمية، ذلك عن طريق الأخذ بالقصص والأحاديث التي تنسب إلى بداية التاريخ الإسلامي. ويعتمد هذا المنهج السلفي المتشدد على سياسة الترهيب والتخويف. للأسف لقد بدأ أصحاب المحلات التجارية في العاصمة الأفغانية كابل وللأسباب المذكورة سلفا بقلع كل الصور النسائية على واجهات محلاتهم استعدادًا لحكم طالبان بنفي وجود المرأة عن السياق الاجتماعي تمامًا. وتعتمد الفرقتان على ممارسة العنف وأساليب التعذيب الوحشية في إدارة شؤونهما إذ أنهما تعتقدان اعتقادًا راسخًا أن الغاية تبرر الوسيلة وأن الحرب في نهاية الأمر سواءً ضد يخالفهم الرأي أو من يرفع البندقية في وجوههم، خدعة كما هو معروف في كتب السيرة والتاريخ المديد. تعتقد الحركتان أنهما على العروة الوثقى في تطبيقهما لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله وبالتالي فإن الذي يعارض مشيئتهما فإنه يعارض الله ورسوله. ومن هذا المنطلق فهما يمنحان أنفسهما الحق في سلك كافة الطرق والمناهج وفي تطبيق الأساليب لقمع البشر، أفرادًا أو جماعات، والبطش بكل من يخالف الرأي، وكم شهدنا الإعدامات العلنية للمدانين بجريمة القتل، أو مرتكبي الفاحشة، أو من سرق أو نهب، حيث تطبق عليهم الحدود بقطع الأيدي ولمن سبق ذكره بالرجم بالحجارة وغيرها من الأساليب. من جهة أخرى فهما يبغضان كل ما يتعلق بالمفاهيم الديمقراطية الغربية، كالمساواة بين الرجل والمرأة، قضايا تحرير المرأة، التعددية، حقوق الإنسان، حرية الرأي والتعبير، حقوق الأقليات، وكلما شابه ذلك من مفاهيم حديثة تناسب وتتماشى مع روح العصر. وهم في غمرتهم هذه يعتقدون أنهم في حرب ضد تحالفات الكفرة والمشركين، وعلى الرغم التشابه الكبير بين تنظيم طالبان والدولة الإسلامية، إلا أنه هناك ثمّة اختلافات.

*نقلًا عن المدائن بوست دوت كوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.