.
.
.
.

بايدن - بوتين في درعا وحوران

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

بعد أشهر من انتخابه رئيسا للولايات المتحدة ووصفه لعيني بوتين بأنهما "خاليتان من أي حس إنساني"، التقى بايدن نظيره الروسي في ١٦ يونيو ٢٠٢١ في جنيف. بعد اللقاء استخدم الرئيسان عبارات متشابهة طغت عليها تعابير "الإيجابية" و"البناءة" و"تقارب وجهات النظر". في هذه القمة، استُبعدت مواقف "شخصية" وظهرت حسابات المصالح الاستراتيجية للدول. طغت المواضيع التي تهم البلدين. فطرحا مواضيع السلاح النووي، والصواريخ العابرة، واتفاقيات ستارت وكيفية تطويرها وتمديدها، والتهديدات السيبرانية، وعودة العلاقات الدبلوماسية، والتبادل التجاري، والمناخ، وغيرها. غير أنه من مواضيع الشرق الاوسط تم التطرق الى سوريا لما تشكل من اهتمام لدى روسيا.

التزم الطرفان الصمت حول ما اتفقا عليه حيال الأزمة السورية إلا أن مجريات الامور تظهر تقارب موقفهما. فلم تعد واشنطن تطرح "تغيير الأسد أو نظامه" بل تعتبر التعامل معه مبررا من الناحية البراغماتيكية. ففي اجتماع مجلس الأمن بعد قمة الرئيسين خلال أول اسبوع من يوليو حول سوريا الذي بحث موضوع المساعدات الإنسانية انعكست "إيجابية" قمة جنيف. تم سحب جميع المقترحات المقدمة بما فيها من فرنسا لصالح الورقة الأميركية - الروسية المشتركة، وجرى التصويت عليها بالاجماع.
إثر هذا الإجماع في نيويورك، صرح السفير الروسي الدائم في مجلس الامن منوها بالتعاون الروسي - الأميركي، وملمحا إلى أنه سينعكس إيجابا بالأزمات الدولية وكأنه يعني الأزمة السورية.

بالفعل، عادت سوريا على جدول التنسيق الروسي - الأميركي وكأنه اختراق نوعي. وخصص للنظام جزءا لا بأس به من المساعدات الإنسانية المقررة بمجلس الأمن والتي كان من المفترض أنّ تذهب إلى من هجّرهم النظام. إضافة برز تعاون بين القوات الروسية والأميركية تحت شعار "التصدي للإرهاب الدولي"، فغابت الحوادث المتكررة بين قوات البلدين، ولم يعد استعمال أسلحة القتل الجماعي من كيماوية أو غازات سامة تحتل أي حيّز. حتى أن أمن إسرائيل المتفق عليه في قمة هلسنكي صيف ٢٠١٨ بين بوتين وترمب تبدل مع مغادرة الأخير للبيت الابيض، ومع الشعور الروسي البارد المبطن تجاه رئيس حكومة إسرائيل الجديد المختلف عن شعورها "الدافئ" حيال نتنياهو.

في أعقاب قمة جنيف، أعلن بوتين عن التقارب الروسي - الأميركي في ملف سوريا و"قد يصبح مثالا للعمل الثنائي بين البلدين. ولا شك أنّ موسكو وواشنطن قادرتان على تولي الزعامة في هذه المسألة" ، وكانت النتيجة أن أُعيد انتخاب الأسد لولاية جديدة لتطغى البراغماتيكية والتطبيع على أي مصالح اخرى للشعب السوري. واختير اسم الممر البري المشهور للمساعدات الانسانية عنوانا لهذا التقارب فأصبح "باب الهوى" ممرا للرياح الروسية - الاميركية الدافئة القادمة و"للهوى" المستجد بين البلدين. ليكلل تعاونهما باجتماعات متلاحقة بين موفد بوتين إلى سوريا الكسندر لافرنتييف مع نظيره موفد بايدن.

جراء هذا التقارب غير المخفي، زار ملك الاردن واشنطن طالبا استثناء إمدادات التيار الكهربائي الأردني إلى كل من سوريا ولبنان من عقوبات قانون قيصر الأميركي. والمطلب هو ذاته كان مطلب القاهرة من واشنطن لإمداد سوريا ولبنان بالغاز المصري عبر الانابيب الممتدة من شمال سيناء مرورا بالاردن وسوريا (إلى حمص) وصولا إلى شمال لبنان (محطة دير عمار لتوليد الكهرباء التي تعمل على الغاز). وأكمل العاهل الأردني زيارته إلى موسكو لإبلاغها بنتيجة الموقف الأميركي الإيجابي وللطلب منها تولي العمل مع دمشق لتنفيذ الإمدادات التي لسوريا مصلحة عميقة بتحقيقها.

وفق النظام الأميركي، لا يقوى جو بايدن على إلغاء قانون قيصر لأنه نص تشريعي صادر عن غرفتي الكونغرس، غير أن للادارة استنساب فرض العقوبات. عليه، أعلنت السفيرة الأميركية في بيروت أن واشنطن تستثني إمدادات الغاز المصري كما التيار الكهربائي الاردني، ولن تخضعها لعقوبات قانون قيصر، كما لن تفرض أيّ عقوبات على الشركات أو الجهات المصدرة ولا تلك العاملة على إصلاح الأنابيب أو الخطوط أو تلك التي ستتولى الصيانة أو الجهات المستوردة والمستهلكة.

نتيجة لهذه التفاهمات الدولية، قرر النظام السوري، إنفاذا لها، التخلي عن اتفاق ٢٠١٨ المعقود مع وجهاء درعا. فأرسل الفرقة الرابعة إلى المدينة وجوارها وإلى كامل حوران، لتهيئتها لما يعتبره "قبلة الحياة" المنعشة للاقتصاد السوري.
وعندما تلقت حكومة لبنان المستقيلة الضوء الأخضر الأميركي (تصريح السفيرة)، قررت ـ بالرغم من سياسة تصريف الاعمال بحدودها الضيق ـ تشكيل وفد وزاري واسع زار دمشق للتنسيق حول الأمور التقنية المطلوبة.

هنا يُفهم دور إيران في إعلانها إرسال بواخر محملة بالمحروقات، بعد أن صرّحت واشنطن عدم إخضاع المحروقات المصدرة إلى لبنان لعقوبات قانون قيصر، وبعد أن أدت التفاهمات الروسية - الأميركية مع فرنسا (وأوروبا) لكبح إسرائيل عن التصدي للناقلات الإيرانية. وبعد أن اطمأنّ لهذين المتغيرين، أعلن حزب الله المنخرط بالتفاهمات الدولية والمتأثر بها، تحدّيه باستيراد النفط الإيراني مظهرا ذاته بـ"أنه المخلص" من أزمات له حصة الأسد في مسبباتها. وبعكس ما يقال، فإنّ حزب الله قرأ هذه التطورات وعلم بها ، فقرر "الاستكبار".
تحريك إيران لبعض فلولها على الحدود الأردنية وفي الجولان ضمن محافظة حوران يفسّر مدى الانزعاج الايراني من إمكانية فتح سوريا حدودها الجنوبية للكهرباء الأردني وللغاز المصري. حيث تستشعر ايران مدى حرجها اذا قرر النظام التكامل الاقتصادي مع المحيط العربي الذي يؤدي حتما إلى التقليل من الاعتماد على طهران، وربما يضع الانفتاح هذا أكثر من ١٤ مليار دولار ديون إيرانية على دمشق في مهب الريح.

إن مشروع إمداد سوريا ولبنان بالكهرباء الأردني والغاز المصري، ولاحقا ربما ربط الغاز بالشبكة التركية الممتدة من بلدان آسيا الوسطى نحو أسواق عالمية، لا تتوفر له كل الضمانات لا بل ستواجهه عدة مصاعب. حيث على لبنان اتخاذ العبرة من بغداد التي أرادت التوجه والتنسيق للحصول على الكهرباء والغاز من مصر، فتم تفجير وتخريب الأبراج والمحطات وخطوط النقل الكهربائية وصولا إلى قطع ايران لإمدادات الكهرباء عنه. فأي تعاون لأي بلد عربي مع آخر للاستفادة من التكامل الاقتصادي سيواجه بالحديد والنار والتفجير لأنّ الرغبة الإيرانية تنحصر بالتوجه شرقا لانقاذ نظام الملالي من تداعيات العقوبات وتأمين العملات الصعبة للحرس الثوري. فطريق الغاز المصري والكهرباء الاردني نحو سوريا ولبنان غير مفروش بالورود بل بألغام "شرقية".

بالخلاصة، الصورة كالآتي. تطورات منطقة حوران تخدم مصلحة اسرائيل بإبعاد قوى غير نظامية عن الجولان وحدودها. أما مصلحة الأردن فبالعائدات التي يحققها من بيع الكهرباء، كذلك مصر من بيع الغاز. هذا يريح موسكو من بعض الالتزامات المادية المتعلقة بدعم النظام لإعادة الإعمار، وسيستفيد لبنان بتخفيف حدة أزمته الكهربائية المزمنة. أما تركيا فتتطلع لوصل أنابيب الغاز المصرية بأنابيبها وعبرها إلى اوروبا. كما أنّ اعتماد سوريا على الكهرباء الأردني والغاز المصري يقلل من اتكالها على المحروقات الايرانية ويخفف من نفوذ طهران.
هكذا تنعكس التفاهمات بين الدول العظمى في جنيف السويسرية او في هلسنكي على الأرض فتتحول درعا ومحافظة حوران إلى نقاط التقاء المصالح.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.