.
.
.
.

الذكرى المشؤومة!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

بعد ثلاثة أيام ستذكرنا وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وكذلك وسائط التواصل الاجتماعي بالذكرى العشرين لهجوم مانهاتن المشؤوم، وسيقال في الذكرى تلك الكثير، سواء من الإعلام العربي أم الغربي. بحساب الربح والخسارة، فإن العالم دفع وما زال يدفع ثمناً باهظاً لذلك الحادث الذي أدخل شعوباً ودولاً في دوامة لم تخرج منها حتى الساعة، كان آخرها تلك المناظر الرهيبة التي تستفز مشاعر أي انسان عاقل، وهي التعلق بأجنحه الطائرات من أجل النجاة.

لا يمكن حساب ما دفع حتى الآن، لا من الأرواح ولا من الموارد ولا من الفرص الضائعة، فتعبير الخسارة هو تعبير مخفف لأن ما دفعته البشرية من أثمان مهولة من دون أي مبالغة بسبب أفكار مجموعة من الناس فصلوا عن كل ما هو عقلاني. التفاصيل كثيرة، ولكن الأساس فيها هو (نوع من التفكير والعقلية والمفاهيم) التي سوقت لهذا الفعل المدمر وعششت وما زالت في عقول البعض. مجموعة من البشر استقر في ذهنهم أن لديهم رسالة يتوجب أن تعم، هؤلاء البشر كانوا في الغالب من منطقتنا المنكوبة. فقد تبنت هذه المجموعة فكرة (الإرهاب) بمعناها الحرفي طريقاً لما تعتقد أنه يمكن أن يتحقق من أمانيهم المريضة، ولم يتحقق إلا الدمار.

بن لادن ومجموعته قاما بذلك العمل الشنيع، من دون أي تفكير في النتائج أو ما يمكن أن يلحق بالحضارة الإنسانية من دمار، أفكارهم مضادة لكل فكر إنساني أو إسلامي تطور على مر القرون. ولكن بن لادن ليس وحده. الجماعات الفلسطينية قامت في وقت ما بالفعل نفسه، فخاضت تلك المجموعات صراعات مع أبناء جلدتها ومع العالم، فقتلت واختطفت وانتهت بتأثير سلبي جداً في قضيتها العادلة، القراءة الخاطئة استمرت بأشكال مختلفة وبدرجات من استخدام الإرهاب، مثلاً سلسلة قتل السياسيين والناشطين في لبنان من رفيق الحريري الى لقمان سليم، تصب في ذلك التيار الفج من الإرهاب، ولم يستطع ذالك القتل أن يردع اللبنانيين عن النضال لنيل حقوقهم وما زالوا يفعلون، ولكنه أوصلهم الى الجوع والفقر وانعدام أي شكل من أشكال الحياة بما في الدواء أو حتى أسس الدولة. بن لادن عام 1990 العام المشؤوم الذي جرى فيه احتلال الكويت طاف بعواصم الخليج كي يقنع عقلاء بخبله المطلق، فعرض أن لا يستعان بالنظام الدولي وأدواته من أجل إخراج النظام العراقي من الكويت، لأنه، كما قال، وجماعته بإمكانهما أن يفعلا ذلك، لأنهما هزما (ثاني قوة عالمية هي الاتحاد السوفياتي في أفغانستان)!

تفكير هذه المجموعات خارج السياق العقلي والموضوعي وحتى الإنساني. مجموعات "داعش" سلكت الطريق نفسه باستخدام العنف ضد كل الآخرين وكل نفس حي أو بناء واقف على أعمدته. إذن ما لدينا هو نوع من التفكير يعاد انتاجه بشكل أو بآخر وفي كل ذالك الإنتاج تتعمق المآسي. في الصراع مع السوفيات تدخلت دول لتشجيع تلك المجاميع وتمويلها وحمايتها، فعادت عليها جميعاً بالوبال بدرجة أو أخرى، وعانت من نتائج أعمالها الأمرّين لسنوات طويلة وما زالت تعاني، القصة تعاد من جديد بسبب النكاية أو بسبب العمى السياسي أو قصور الحسابات أو الضلال الأيديولوجي، فهناك عدد من الدول التي تقوم اليوم بتشجيع أو تمويل أو بسط الحماية لمثل تلك المجموعات من دون تبصر لما يمكن أن ينتهي اليه هذا الاحتضان الأسود من نتائج.

عالمنا، وخصوصاً العربي ومحيطه، سيظل ينزف، وفي وقت ما لن تعني العالم المآسي التي تعصف بشعوبنا وتقود اليها هذه السياسات العمياء التي انتجت كل هذا الكم من المآسي الإنسانية وهذه الملايين من المشردين واللاجئين وتلك المجتمعات التي تتحلل وتذوب تحت مقولات خارجة عن العصر وفشل مهول في السياسات وأيديولوجيات عمياء ضاربة عروقها في القرون الوسطى وما قبلها، أنزلت الإنسان في منطقتنا الى أسفل الدرجات.

المشهد ليس مخيفاً فقط، بل مرعب لأنه مستمر ويجد من بيننا أناساً تحت شعارات مختلفة يعضدون تلك المدارس الشوهاء في السياسية ويدافعون عنها. إنها مأساة مركبة وخيوطها متشابكة تتمثل أمامنا في عدد من المجتمعات العربية وغيرها في الجوار.

الذكرى العشرون سيتحدث عنها العالم، وتأثيرها المأسوي ليس محدوداً بزمن كما الحروب العالمية، فتلك الحروب قد انتهت، أما الفكر المشوّه فهو يحيطنا من كل جانب، وجهلاء يقدمون له المساعدة، وليس هناك أفظع مما نحن غاطسون فيه. عودة "طالبان" ستفتح الباب لتدفق العشرات من الغلاة الى تلك الأرض، ولقد استبشرت تلك المجاميع بهذه العودة وبدأت تفصح عن مواقفها بيننا اليوم، وهذا يظهر من التعليقات المرحبة بالعودة الميمونة على وسائل التواصل الاجتماعي. فهذه المرة لم تهزم في رأيهم ثاني قوة في العالم (السوفيات) كما السابق، هذه المرة هزمت القوة الأقوى في تاريخ العالم! ويستنتجون أن طريقهم هو الصحيح! ويا له من استنتاج!!

*نقلاً عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.