.
.
.
.

المنطقة العربية ورؤية مستقبلية أميركية

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

يستحق الحوار الذي أجرته الزميلة خضراء الأوراق، الشرق الأوسط، مع السيد جوي هود، مساعد وزير الخارجية الأمريكي بالإنابة، عن الرؤية المستقبلية للمنطقة العربية، وخطوط الطول والعرض للسياسات الأمريكية في المنطقة، يستحق وقفة تأمل هادئة، ومحاولة تبيان حقائق الأمور وطبائع الأشياء.

بداية الأمر لم يوارِ أو يداري المسؤول الأمريكي الأهداف الرئيسة من وراء سياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وقد أجملها في أربعة نقاط :
أولا : تحقيق مصالح بلاده
ثانيا : دعم الشركاء والحلفاء في تعزيز الإصلاحات
ثالثا : محاربة الفساد
رابعا : دعم حقوق الإنسان
لا تفاجئ تلك الأهداف الذين لديهم علم من كتاب البراغماتية الأمريكية، والتي باتت ديدنا دوليا غير قاصر على واشنطن فقط، بل أضحت نهجا تقليديا يمتد من موسكو مرورا ببكين وبروكسيل ووصولا إلى واشنطن على الجانب الآخر من الأطلسي.

يحاول السيد هود في حواره التأكيد على التشابك الكبير والواضح بين السياسات الأمريكية وبين دول المنطقة، ومن ذكاء الزميل المحاور، أنه توقف معه عند عدة بلدان تمثل جروحا مفتوحة وثخينة في الجسد العربي.

الانطباع الأول الذي يخرج به قارئ الحوار ومن أسف شديد، هو أن ما يردده الضيف الأمريكي لا يتجاوز الإكليشيات المحفوظة والمنقوشة في مسار العلاقات العربية الأمريكية منذ ثلاثة عقود على الأقل.

لم يقدم السيد هود جوابا شافيا وافيا عن رؤية إدارة بايدن للشرق الأوسط، وما إذا كانت واشنطن عازمة على الانسحاب منه، فهو على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إقليم لا يوجد به إلا الرمال والدماء.

جاء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ليفتح فجوة كبيرة في الثقة في الشراكات الأمريكية مع الحلفاء، وأهل المنطقة يتساءلون عن موعد الانسحاب الأمريكي القادم من العراق، وليس ما إذا كانت أمريكا سوف تنسحب من هناك أم لا.

سطور الإجابات تثير المخاوف والقلق من ما ورائيات المشهد الأمريكي في العراق، ذلك أن السيد هود يؤكد على أن وجود القوات الأمريكية هناك مرده الرئيس محاربة داعش، وأن العملية الانتخابية هي شأن يخص العراقيين ولا دخل لواشنطن في القضية برمتها.

لم يتعرض هود للوجود الإيراني على الأراضي العراقية، ولا لما تقوم به الميليشيات الخاصة بإيران من تعكير صفو الدولة وأمنها واستقرارها، وبدا أن كل ما يخص الجانب الأمريكي هو قتال الدواعش، وهو يعلم كل العلم، أنه إذا كانت أراضي سوريا والعراق مدرسة لهم، فإن هناك اليوم مواقع ومواضع في إفريقيا وأفغانستان تكاد تضحى أكاديميات لتفريخ المزيد منهم.

حين يتناول السيد هود سوريا يؤكد الإبقاء على قانون قيصر واستمرار العقوبات، يكاد المرء يلحظ نوعا من إمساك العصا من المنتصف تجاه الأسد، ويتذرع بدعم السوريين خوفا من رجوع الدواعش من جديد، وفي كل الأحوال يبدو كمن يقطع طريق العواصم العربية على القيام بالتطبيع مع النظام السوري .

من سوريا تمتد الرؤية إلى لبنان، وقد بدا في الحوار أن السيد هود قد لخص كل مشاكل لبنان فيما أسماه الخلافات الحزبية، وهو في واقع الحال حديث أجوف، يعتمد طرق التعتيم على أصل المشكل ولا يمتلك الجرأة الحقيقية على وضع الأصبع الى الجرح الحقيقي.

كارثة لبنان الحقيقية تتمثل في أنه بات دولة مختطفة من ميليشيا تمارس إرهابا واضحا ومفضوحا، وهي عجيبة من أعاجيب الزمان، وقد أغفل السيد هود توجيه أي لوم أو تقريع لحزب الله، بسبب دوره التخريبي في الداخل اللبناني.

يعن لنا التساؤل: " لماذا أغفل أو تغافل السيد هود عن ذكر الرؤية الأمريكية لما تقوم به إيران في المنطقة، وما يمكن أن يؤثر تأثيرا بالغا على سلامة سكانها في الحال والاستقبال ؟

لا يمكن الحديث عن المنطقة العربية والشرق الأوسط، من غير وضع النقاط على الحروف فيما يخص وكلاء الحرب الإيرانيين في المنطقة.

هنا علامات الاستفهام مفتوحة، مباحة متاحة، ومن عينتها على سبيل المثال وليس الحصر: "كيف لم يلاحظ مسؤول الخارجية الأمريكي صواريخ الحوثي الباليستية، والتي هي في الأصل والمنشأ صواريخ إيرانية الصنع والتوجيه، كيف لم يلاحظها الأمريكيون وهي تتوجه إلى المملكة العربية السعودية، تهدد الآمنين في عيشهم، وتخيف المستقرين في غدهم، وتترقب منشآت النفط والشر يملأ أعينها؟

أي علاقات أمريكية عربية يمكن الحديث عنها حين تقوم واشنطن بسحب بطاريات الصواريخ المضادة لإعمال الحوثي وبقية مقذوفات إيران بعيدة المدى، بحجة واهية يرفضها أي عقل ذو رجاحة، وهي إجراء أعمال الصيانة عليها في الداخل الأمريكي.

يلفت الانتباه كذلك في الحوار المشار إليه الموقف الأمريكي من ليبيا، ذلك أن المتحدث يخبرنا عن حتمية سحب موسكو رجالاتها أو مرتزقتها، أيا ما يكن الأمر من ليبيا وبأسرع ما يمكن، ولا يتناول شأن القوات التركية وميليشياتها ذات النزعة الإرهابية هناك والتي تسببت ولا تزال في أعمال إرهابية، فهل هناك صفقات خلفية بين واشنطن وأنقرة تستخدم فيها الأخيرة لتحقيق أهداف واشنطن بالوكالة ومن غير أي مراعاة لمصالح الدول العربية؟

باختصار غير مخل، الحقيقة هي أن واشنطن راغبة في الانصراف عن الشرق الأوسط والمنطقة العربية وتركها لمصيرها، لكنها غير قادرة على فعل ذلك لإدراكها أن هناك من سيقوم بملء مربعات النفوذ التي ستخليها.

تبدو واشنطن كمن يمسك العصا من المنتصف، ومن يفعل ذلك يرقص ولا يقاتل، إنها تحاول أن تعطي أقل القليل مما لديها، ولهذا يتوجب عليها أن تتوقع القليل أيضاً.

مصداقية واشنطن بعد الانسحاب من أفغانستان تتراجع يوما تلو الآخر والسؤال من يثق في سيدة قيصر بعد الآن؟.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.