.
.
.
.

الهوَّة التعليمية أولوية أيضاً

بشارة شربل

نشر في: آخر تحديث:

ليس صحيحاً أن الوقت غير مناسب للتطرّق الى مستقبل التعليم في لبنان وضرورة ردم الهوة بين التعليم الرسمي والخاص. فالقضية مهمة أكثر ممّا يتصوّر كثيرون، خصوصاً أن القارئ لم يعد يرى جديداً في وصف الحاكمين بقتلة وسفلة أو في التنديد بتكالب الطبقة السياسية على تناتش جيفة حكومة، سواء شُكلت من "ثلاث ثمانات" او من "ثلث معطل" جرى تغليف صاعقه بضمانات.

لفتني كلام جدير بالاهتمام والاحترام كتبه الوزير السابق فادي عبود في الزميلة "الجمهورية" قبل أيام. فهو في خضم المعمعة السياسية تناول تجربة مدرسة "المتَين" الرسمية التي تبرعت بتعهدها مدارس "الشويفات - سابيس" فطبقت فيها طريقتها في التعليم وأتت النتائج ممتازة. التجربة، أو ما يماثلها، جديرة بالتعميم لتجسير الفجوة بين التلامذة المحظوظين الذين تتيح لهم ظروف أهاليهم إلحاقهم بمدارس تواكب البرامج في العالم، وبين آخرين يشكّلون ثلث عدد تلامذة لبنان، أي ثلاثمئة ألف تلميذ، تجبرهم ظروفهم الاجتماعية على الالتحاق بالمدارس الرسمية وعدم الاستفادة من تكنولوجيا التعليم، علماً بأن نصف الثلثين يتلقى العلم في مدارس خاصة ضعيفة لا ترقى الى المستوى المطلوب.

ثمة أفكار كثيرة يمكن طرحها وتطبيقها لمواجهة أخطر قضية يواجهها مستقبل اللبنانيين، وهي منع "الأمية التربوية" عن مئات الآلاف غير المحظيين، ليس ليحققوا ذواتهم في هذه "القرية الكونية" فحسب، بل لئلا يسقط كثيرون منهم فريسة للظلم واللامساواة فيكفرون بالسلم الأهلي ويتحولون فئات مهمشة او قنابل موقوتة بدل ان يكونوا جزءاً من الانتاج والنمو والولاء الوطني.

ليس عظيماً عقد مؤتمر تربوي قد يدعو اليه رئيس الجمهورية لمناقشة الأقساط وإنقاذ العام الدراسي. فالمسألتان على أهميتهما يجب على الحكومة العتيدة معالجتهما بلا كلام فارغ واستعراضات. أما واجب من يتولى الشأن التربوي فأن ينظر الى المستقبل بعين الخبير والمؤمن بالدولة ومستقبل لبنان فيبتدع وسائل رفع المستوى ورفع الحرمان من التعليم الحديث، وهو ما لم يتحقق مطلقاً على مدى عمر "الجمهورية الثانية" لا في الجامعة اللبنانية التي تعاني وضعاً كارثياً، ولا في لجنة التربية النيابية، ولا عبر وزراء التربية المتعاقبين، وآخرهم تحفة العصر الباحث كرئيسه عن وظيفة خارج لبنان.

ما اقترحه الوزير عبود فكرة جرى اختبار فعاليتها. ولدى المهتمين بالشأن التربوي والهاجسين بأبناء فقراء لبنان أفكار كثيرة تكلّف أقل بكثير من حجم الهدر في المدارس الرسمية والمباني والجهاز التعليمي غير المؤهل. هي أفكار تحتاج الى أن تترجمها سلطة يتجاوز اهتمامها "مستقبل جبران" و"حقوق المسيحيين"، وصلاحيات "أهل السنة" المتوترين كالأقليات، والانتصارات الممانعة في غياب الكهرباء والدواء، والزحف الرسمي الذليل الى دمشق للتحادث بغياب علم لبنان.

على أمل ان تولد حكومة "جود من الموجود" في الساعات المقبلة، ربما يسمع الرئيس ميقاتي رجاء أخيراً: نعلم تعقيدات التشكيلة، لكن بربّك أطلب من صاحب حصة "التربية" ان يختار وزيراً مختصاً لهذا الصرح وليس مخبولاً أو متذاكياً او مصرّف معاملات. الشخص يصنع الفرق رغم أننا في حال ارتطام تعليمي. والفرق سيحسب لمصلحة مئات الآلاف الأقل قدرة على الوصول الى التعليم المتطوّر والذين يجب ان يكونوا جزءاً من نهوض لبنان.

وزير تربية حقيقي صاحب رؤية هو فعل مقاومة وايمان بأنّ الدولة ستقوم، وبأن اللبنانيين لن يرضخوا لليأس ولشروط منظومة الفساد، ولن يُسلّموا بأن الهجرة هي الملاذ، بل أنّ العلم والحداثة طريقهم الى الحياة الكريمة في لبنان وخارج لبنان.

نقلاً عن نداء الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.