.
.
.
.

طالبان.. من المغارة إلى الإمارة

سعاد فهد المعجل

نشر في: آخر تحديث:

منذ الانسحاب الأميركي وسيطرة طالبان على كابول.. والهروب الجماعي عبر جميع المنافذ لعشرات الآلاف من الأفغان المذعورين من عودة طالبان.. منذ ذلك الوقت والعالم يتابع ويتساءل إن كانت طالبان قد تعلّمت من تجربتها السابقة وبصورة تجعلها تعمل على السعي للتواصل مع المجتمع الدولي بشكل يُطَمئن الأفغان وغيرهم ويُحسّن، ولو بشكل قليل، من الصورة المرعبة التي عرفها العالم عنها عبر أكثر من عشرين عامًا.. ارتكبت فيها الحركة مذابح ضد المدنيين الأفغان.. وحرَقَت مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة ودمّرت عشرات الآلاف من المنازل.. ومَنعَت كل الأنشطة ووسائل الإعلام والرسومات والتصوير الفوتوغرافي.. والأفلام التي تصوّر كائنات حيّة.. كما حرّمَت طالبان الموسيقى وكل أشكال الفنون باستثناء الدفوف.. ومَنَعَت الفتيات من الالتحاق بالمدارس وفرضت البرقع على النساء.. كما تتحمّل حركة طالبان مسؤولية الإبادة الثقافية، وذلك حين دمّرَت العديد من المعابد.. أشهرها كان في تفجيرها لتمثال بوذا الشهير في «باميان»، والذي يعود الى أكثر من 1500 عام.
أحد كُتّاب الإسلام السياسي كتب مؤخرًا مدافعًا على استحياء عن حركة طالبان، حيث قال انها حركة أفغانية هَفَت لإخراج المحتل الأميركي وحلفائه من أراضيها، وأنها قد نجحت في هدفها هذا.. وأن خروج المُحتل يُعَد خطوة نحو استعادة الشعب الأفغاني لحريته.. وأن طالبان أمامها الآن تحدي الحكم والإدارة والديموقراطية والتنمية وتعزيز حقوق الإنسان وحُسن التعامل مع النظام العالمي!

مثل هذا الرأي أصبح مطروحًا اليوم من قِبَل الكثيرين.. في محاولة للتمييز بين «داعش الإسلامية» و«طالبان الإسلامية» وعمّا إذا كان من الإنصاف وصف طالبان بالإرهاب والعنف اللذين أصبحا السمة الغالبة على تنظيم الدولة أو داعش.

بداية يجب عدم إغفال مسألة الدور الاستخباراتي الغربي في صناعة كلا الكيانين، والمواقع الإخبارية والتقارير تعُج بالتفاصيل التي تشير وتُؤكّد علاقة الجماعات المتطرفة بأجهزة استخبارات عالمية وإقليمية، بدءاً من جماعة الإخوان المسلمين ووصولًا الى كل الجماعات التي تدّعي النشاطات التقليدية «الدعوية»، وهذا بالطبع يشمَل التفريخ الهائل لمثل هذه الكيانات منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.. فمن القاعدة.. الى جند الشام الى جبهة النصرة.. وداعش.. وطالبان وغيرها.. ومن أبو قتادة الى أبو حمزة وبكري والبغدادي والزرقاوي وآخرين.. والمشكلة أن كل هؤلاء وكل هذه الكيانات تدعي بأنها تُطبّق ما جاء في«كتاب الله وسنة رسوله» لتَجعَل من المعارضة لها أشبه بمعارضة للذات الإلهية.

كلا الكيانين، داعش وطالبان يُكنان عداوة فاضحة لمفاهيم الديموقراطية الغربية كالمساواة بين الرجل والمراة واحترام الأقليات والتعددية وحقوق الإنسان وحرية التعبير.. ويمنَحون لأنفسهم الحق المطلق في تطبيق العقوبات على من يخالف نهجهم وفكرهم هذا، سواء بالإعدام العلني أو ببَتر الأطراف أو بالرّجم حتى الموت.

ظهور طالبان وداعش وغيرهما من جماعات التطرّف والتخلّف الفكري والثقافي يعطي تبريرًا لما اجتَهَدَ به مفكرون غربيون مثل «صاموئيل هانتنجتون» الذي اشتهر عنه تصريحه ومقاله الشهير حول حرب الحضارات.. والذي لخّصه في قوله إن الصراعات بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية وإنما ستكون الاختلافات الثقافية والحضارية هي المحرّك الأول للصراع والنزاع، لافتاً، وفقًا لرؤيته، إلى أن الإسلام حدوده دموية وكذلك مناطقه دموية.. وأن القِيَم الإسلامية سهلة تتصارع من داخلها في إطار قابلية المذاهب الى الصّدام «الشيعي والسني» مثلًا.

المشكلة أن الغرب يعرف جيدًا مفاتيحنا وتفاصيل ثقافتنا العقائدية ويعمل وفقًا لذلك الفَهم.. بينما نحن لا نزال نتجادل حول الفرق بين داعش وطالبان.. وعما إذا كانت طالبان أفضل من داعش لأنها ربما تقتل ولكنها لا تجز الرؤوس بالسكاكين.. انسحاب الولايات المتحدة من افغانستان لن يخلق طالبان مدنية تؤمن بالديموقراطية والحريات وتحترم الحقوق البشرية.. كل ما هنالك أن هذه الخطوة مكّنت طالبان من الخروج من المغارة الى الإمارة لا أكثر ولا أقل.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.