.
.
.
.

مَن يصنع عالَم اليوم؟

السيد ولد أباه

نشر في: آخر تحديث:

قبل أيام أصدر «منتدى تعزيز السلم» في أبوظبي الذي يرأسه العلامة الشيخ عبد الله بن بية رئيس مجلس الإفتاء في دولة الإمارات، بياناً هاماً، دعا فيه الأفغانيين إلى التعامل مع حقائق المرحلة الجديدة وفق ضوابط الإسلام في السلم والتسامح والانفتاح. وكان الغرض من البيان الإسهام في ترتيب الوضع الجديد في أفغانستان الذي تولّد عن الانسحاب الأميركي بعد عشرين سنة من التدخل العسكري، الذي إن ضمن القضاء على خطر تنظيم «القاعدة» الإرهابي، إلا أنه فشل في الهندسة السياسية للدولة الأفغانية الديمقراطية الموحدة. وليس مثال أفغانستان وحيداً، فقد أصبح من البديهي أن أي هندسة سياسية لا تراعي خصوصية المجتمعات ومساراتها التاريخية ومكوناتها البنيوية تفشل في نهاية المطاف.
في كتاب هام صدر قبل سنوات بعنوان: «لم نعد وحدنا في العالم»، يبين المفكر السياسي الفرنسي برتراند بادي أن الغرب الذي تصدّر العالمَ لمدة خمسة قرون، يعاني مصاعب جمة في إدراك واقع العالم الجديد الذي لم يعد فيه القوةَ المهيمنة المتحكمة في صنع مصير البشرية.
كان التفوق الغربي مبنياً على أربعة مرتكزات هي: السيطرة التقنية والاقتصادية، والهيمنة العسكرية، والريادة الاستراتيجية، والقوة الفكرية والثقافية. وكانت أوروبا منذ القرن السادس عشر قد بنت مقومات الهيمنة على العالم، بعد الثورة العلمية والتقنية الكبرى التي غيّرت نمط الوجود الإنساني، وما تلاها من ثورة صناعية سمحت بالعولمة الرأسمالية الأولى، وما واكبها من ظاهرة استعمارية عابرة للقارات. ومن ثم كانت النتيجة الطبيعية لهذه التحولات الهائلة هي أن الغرب صار بمقدوره صياغة مفاتيح الكونية الجديدة عبر نظامه السياسي القائم على الدولة الوطنية المركزية ونظامه الاستراتيجي القائم على توازنات القوة وتقاسمها على الخارطة الدولية.
ومع أن الحرب الباردة هي في بعض جوانبها مظهر للتحدي الأيديولوجي والاستراتيجي الذي واجه السيطرة الغربية، إلا أنها من وجه آخر تناقض داخلي في المنظومة الغربية نفسها، باعتبار انتماء روسيا العضوي إلى السردية الحداثية الأوروبية، وتبني الصين للمشروع الثقافي الغربي في نسخته الأيديولوجية الماركسية.
المفارقة الكبرى هي أن نهاية الحرب الباردة، نتجت عنها أزمة عميقة في هذه السردية الغربية، فانطلقت روسيا في اكتشاف جذورها الحضارية الأوروآسيوية التي تبعدها عن التوجه الليبرالي الأوروبي، في حين اتجهت الصين إلى إعادة الاعتبار لهويتها الحضارية الكونفوشيوسية.
لم تعد المحورية السياسية التي تأسس عليها النموذج الغربي الحديث هي المحدد الضابط للمنظومة العالمية، ولم تعد موازين القوة العسكرية والاقتصادية هي العنصر الحاسم في العلاقات الدولية، بل إن المعطيات الاجتماعية والثقافية هي التي أضحت المحددات الفاعلة في النظام الدولي.
ولم تعد الدولة الوطنية نفسها هي الفاعل الأوحد في المنظومة الاستراتيجية للعالم، بل دخلت المجموعات الإثنية والعرقية والهويات الثقافية والدينية والشركات الاقتصادية والتقنية.. على خط المحور الاستراتيجي الحيوي، بما زاد من تعقيد اللعبة الجيوسياسية العالمية.
إذا كانت الديناميكية الاستراتيجية الدولية السابقة تقوم على تنافس القوة وصراع الأقطاب المحدودة المهيمنة على العالم، فإن الوضع الدولي الجديد تطبعه السيولة الواسعة والفراغات المرنة والسياقات المتحولة.
لم تعد السياسات العالمية تضبط في قاعات التفاوض بين القوى الكبرى التي تضع خرائط النفوذ في العالم، بل إن جذور الحركية الجيوسياسية اليوم تكمن في تفسخ المجتمعات وتفكك الدول وانهيار الاقتصاديات. ومن هنا نعيش بوضوح ظاهرتين مترابطتين هما: الدور المتنامي للعوامل الاجتماعية في الأزمات الدولية، وتصاعد نفوذ القوى الإقليمية في محيطها المباشر.
الظاهرة الأولى هي ما كان قد انتبه إليه علماء السياسة والدراسات الاستراتيجية منذ مطلع التسعينيات في الحديث عن صراع الهويات والحضارات وعودة القبلية الجديدة، وهي معطيات بارزة، لكنها لا تعني النكوص إلى حالات ما قبل حديثة بقدر ما هي التعبير عن فشل مشروع الهندسة المؤسسية القانونية للمجتمعات دون مراعاة سياقاتها المحلية. ما يجري ليس النأي عن الدولة أو محاربتها، وإنما الصراع على شكل الدولة المنهار والمتداعي.
أما الظاهرة الثانية فتبدو في انحسار منطق الحروب بالوكالة بين القوى الكبرى في المعتركات الإقليمية، فقد أصبح من الواضح أن مفاتيح استقرار الساحات الإقليمية وحل نزاعاتها بيد الأطراف الفاعلة فيها التي هي وحدها المؤهلة لفهم أوضاعها والتعامل الإيجابي مع مشاكلها العملية.
في بداية التسعينيات جمع الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران الرؤساء الأفارقة في مدينة لابول، وطالبهم بالتحول إلى النظام الديمقراطي التعددي، من حياة حزبية وانتخابات حرة، فرد عليه الرئيس الغابوني الراحل عمر بونغو بالقول: «إذا كنت تريد ديمقراطية القبائل وطبول الحملات فلا إشكال في الأمر، أما ديمقراطية الغرب فتحتاج إلى أن تحولنا إلى أوروبيين».

نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.