.
.
.
.

هل ستنجح «طالبان» أم تكرر أخطاءها؟

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

لم تمكث طالبان فى حكمها الأول لأفغانستان سوى خمس سنوات بخلاف الأعراف المتداولة لأعمار الدول. لقد وصلت وقتها للحكم بسهولة بعد مساعدة المخابرات الباكستانية لها، فاجتاحت أفغانستان بسرعة مذهلة، واستقبلها الأفغان وقتها بالترحاب لتخلصهم من بطش الميليشيات وقطعهم للطرق.

ولكن طالبان خيّبت أمل الأفغان وأخطأت أخطاء كارثية أدت فى ما أدت إليه إلى زوال طالبان واحتلال أفغانستان ومقتل وجرح وإعاقة قرابة مليون أفغانى، واليوم عادت طالبان للحكم بنفس السرعة الأولى، عشرون عاماً بين حكمى طالبان وكأن التاريخ يعيد نفسه. جاءت طالبان للحكم فى المرتين الأولى والثانية برضا أمريكى باكستانى، واليوم بالذات جاءت باتفاق مع أمريكا عبر مفاوضات استغرقت سنوات.

والسؤال الآن: هل تستطيع طالبان الاستقرار فى حكم أفغانستان وتطورها من دولة بدوية عشائرية ميليشياوية متخلفة إلى دولة حديثة فيها جيش وطنى وشرطة محايدة محترفة ومؤسسات فاعلة وصناعة وزراعة حديثة وتعليم يواكب العصر وتنمية شاملة للمجتمع الأفغانى.

لن يتم ذلك إلا إذا نفّذت طالبان ما يلى:

1 - حل كل الميليشيات وتسليم أسلحتها وبناء جيش وطنى يدافع عن الوطن ولا يحمى جماعة أو ميليشيا أو فصيلاً عرقياً بعينه، وينحدر ضباطه وجنوده من جميع الطيف الأفغانى باشتون وطاجيك وأوزبك.

2 - عدم استضافة أى جماعة أو تنظيم متطرف أو مسلح على أرض أفغانستان، حتى لا تتكرر مأساة استضافة «القاعدة»، الذى كان سبباً فى ضياع أفغانستان واحتلالها وتدمير كل شىء.

3 - مراجعة كل الأخطاء الكبرى التى حدثت فى تجربة حكم طالبان الأول، وذكر هذه المراجعة أمام الشعب الأفغانى، وعلى رأسها استضافة «القاعدة»، وقتل الدبلوماسيين الإيرانيين مخالفة للعرف الدبلوماسى الدولى ومخالفة لقواعد الإسلام التى ترفض قتل الرسل، وعدم تسليم «بن لادن»، مكررين الخطأ الذى وقع فيه خوارزم شاه عندما رفض تسليم قتلة التجار المغول، مما أدى إلى اجتياح جنكيز خان لبلاد خوارزم شاه (وهى قدراً نفس بلاد الأفغان)، ثم احتلال العراق، وهذا تكرر أيام جورج بوش الابن، وكأن الزمان يعيد نفسه.

4 - القضاء تماماً على زراعة الأفيون أو الاعتماد عليها كمصدر للدخل القومى كما فعلت الميليشيات من قبل.

5 - السعى لإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية مع دول العالم جميعاً والانفتاح على العالم الإسلامى، بالوسطية والاعتدال والتعقل والحكمة، مع اتخاذ ضابط المصلحة الذى أقرته الشريعة الإسلامية كأساس للعلاقات الدولية.

6 - الانفتاح على الأزهر كمرجعية إسلامية وسطية اعتمدت عليه أفغانستان أيام الملكية، وعدم الدخول مع الدول المجاورة فى صراعات مذهبية أو دينية أو سياسية حتى لا تتكرر مأساتها الأولى.

7 - ضبط حدود الدولة والتعاون مع الدول الأخرى فى محاربة الإرهاب، وتسليم أى إرهابى لدولته أو على الأقل عدم السماح له بالبقاء فى أفغانستان، لأنها لو استضافت عدة إرهابيين من عدة دول فإن علاقاتها بهذه الدول ستتقطع وتتمزق، وعليها أن تعيد علاقاتها الدافئة التى كانت أيام الملكية الأفغانية. والحقيقة أنه لو بقيت الملكية فى أفغانستان لكانت أفضل لها من الحكم الشيوعى الذى فرضته روسيا قهراً على هذه البلاد المسلمة، كما فرضته على اليمن الجنوبى وألبانيا، وكلها دول مسلمة لا يلائمها هذا الحكم، والملكية أفضل كذلك من حكم الميليشيات، فالملكيات عاقلة وحكيمة عادة، أما الميليشيات فلا عقل لها ولا حكمة لديها أياً كان توجهها.

8 - عدم التدخل فى شئون الدول الأخرى، بحجة سوء معاملتها للأقليات المسلمة، وهذه الحجة يمكن أن تجعلها تعادى العالم كله.

9 - التئام وتوحد النسيج الأفغانى كله بأعراقه الثلاثة الأوزبك والطاجيك والباشتون، الذين ينحدر الطالبان منهم.

10 - الاهتمام بالقوة الناعمة للدولة وعدم تكرار المأساة السابقة فى الحكم الأول حيث حرّموا التليفزيون، ولم يكن معظم الشعب يعرف صورة رئيسهم الملا عمر، فحرمت طالبان نفسها ووطنها من أهم القوى الناعمة، وبناء إعلام قوى، وفنون هادفة، وصحافة حرة، والاهتمام بالأدب والشعر والفكر، حتى نرى أفراد طالبان أكثرهم مفكرين وعلماء لا حملة سلاح وحرب، فالعلم والفكر أقوى من السلاح.

11 - الاهتمام بفقه التحضر وترك فقه البداوة والصحراء والجفاء، ففقه التحضر يعنى القوة مع التسامح والعفو والمحبة والإخاء والتبشير لا التنفير وقبول الآخر والتعاون الإنسانى والبحث عن المشتركات الإنسانية التى تجمع ولا تفرق.

12 - استلهام تجارب اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة فى بناء الدولة الحديثة التى تهتم بالتعليم والصحة والصناعة والبحث العلمى وتنمية المجتمع من جميع النواحى، ولن يكون ذلك إلا ببناء المجتمع.

13 - عدم حكم أفغانستان بعقل وفكر الجماعات الضيق، ولكن بفعل وفكر الدولة الحديثة، التى تسع الجميع وتساوى بين الجميع، وتعطى المرأة حقوقها، ولا تقوم على سد الذرائع ولكن فتح الذرائع، ولا تقوم على التشديد الفقهى، ولكن التيسير فى إطار الشرع، وإيفاد النابهين لتعلم كل العلوم فى كل الدول المتقدمة، وفتح مجالات التعليم للمرأة وعدم تكرار خطئها القاتل فى حكمها الأول بحرمان المرأة من التعليم الجامعى، مما حرم أفغانستان من وجود الطبيبة والمهندسة وغيرها.

والخلاصة أن على طالبان أن تخلع عباءة الميليشيا والجماعة والسلاح لتذوب فى المجتمع وتبنى دولة حديثة، فالجماعة سهلة، أما بناء الدولة واستقرارها واستمرارها فصعب جداً، والوصول للحكم سهل، ولكن الحفاظ عليه مع بناء دولة عصرية صعب جداً.

نقلا عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.