.
.
.
.

الانتخابات البرلمانية العراقية المبكرة بين التحديات والاستحقاقات

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

نشر في: آخر تحديث:

الانتخابات البرلمانية "المبكرة" تأتي في العاشر من اوكتوبر 2021 أستحقاقا ديمقراطيا ينتظره العراقيون(بكل شغف او ربما لامبالاة إعتمادا على طبيعة الظرف السياسي) كل اربع سنوات يتم من خلالها إنتخاب رئاسة ومجلس جديد للنواب عبره يتم إختيار رئاسة للهيئة التنفيذية:

رئيس للجمهورية بدوره يسمي رئيسا لمجلس الوزراء– قائدا عاما للقوات المسلحة. علما بإن المرحلة الانتقالية التي يتسيدها السيد مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء تكمن في إنجاز مطلب الانتخابات العامة. عملية سياسية "ديمقراطية" يفترض أن تتسم بالموضوعية، الحيدة، النزاهة، الشفافية ومواجهةكل التحديات والتداعيات التيأنتجت أزمات مزمنة، وبالتالي تظل الدولة العراقية بحاجة لـ"حكم رشيد - Good Governance - "أنموذجا عراقيا" في منطقة جيوسياسية – اقتصادية حيوية تسودها متغيرات متسارعة وغير متيقن منها. من هنالابد من التعمق في توضيح المعطيات والاثارالستراتيجية وفقا لمايلي:

أولا: طبيعة المزاج الانتخابي وشكل الخارطة السياسية - الانتخابية:

موضوع يتاثر بجملة من المعطيات والظروف الموضوعية المتداخلة لمحيط عكرت صفوه "المتعكر بالاساس، والمشحون بهواجس ومخاوف ومحاذير جراء إنفلات السلاح وتغول المليشيات على الدولة، حيث تشهد بغداد بين الفينة والاخرى إستعراضا للعضلات تقوم به المجاميع المسلحة لإبراز قوتها، كجزء من الحراك الانتخابي، وكرسائل إلى الاخرين لأخذ وجودها بالاعتبار كواقع ملموس". ضمن هذا المنظور، تتداخل عوامل القوة بمضامينها المتنوعة سياسيا – أمنيا – عسكريا - اقتصاديا - اجتماعيا. إن هيمنة المال السياسي في ظل تنافس محموم من قبل مراكز القوى على النفوذ السياسي آخذة في التصاعد مسببة حالات من التطرف والعنف في ظل مسار من الصراعات السياسية البينية والاستقطابات الداخلية التي لاتخلو اصلا من تأثيرات اقليمية ودولية سلبت وتسلب العراق جزءا من حيويته وفاعليته بل ومن سيادته الوطنية الناجزة.

إن عراقا ضعيفا إستراتيجيا يوفر بيئة مواتية للتدخلات الاقليمية والدولية سواءا من قوى الدولة او اللادولة التي تأخذ اشكالا متنوعة معقدة تسبب إحراجات واضحة لصناع القرار في المحيطين الداخلي والخارجي . مقابل ذلك فإن مناخ "الثورة التشرينية"يشكل عنصرا ضاغطا على قوى النظام السياسي الراهنة من خلال المناداة بضرورة تآصيل الانتماء إلى وطن واحد حر، موحد مستقر، آمن ومزدهر تعلو هيكله عنوانين ومضامين"الدولة الراشدة–العادلة"على رأسهاتوفر رعاية – حماية وتنمية لحقوق الانسان وحرياته الاساسية. مناداة إنطلقت صيحاتها المدوية – الدامية منذ 2019 من ساحات التظاهر على إتساعها من بغداد (ساحة التحرير) مرورا بذي قار – البصرة والفرات الاوسط مطالبة بإنجاز إستحقاقات التغيير الايجابي "سياسيا – إقتصاديا – إجتماعيا –ثقافيا واستراتيجيا ". تظاهرات قدمت قرابين من الضحايا الشهداء (ما يقارب أو ينيف عن 600 – 700 شهيد و20000 جريح).

من التساؤلات المبكرة المشروعة التي لابد من توضيحها:

• هل للحراك السياسي – الاجتماعي التشريني اثر ملموس وحقيقي على تغيير الخارطة السياسية لانتخابات اوكتوبر 2021،

• أم أن الحراك ليس بالقوة الكافية لإحداث النقلة النوعية في العملية السياسية – الديمقراطية؟ وبالتالي ينتظر أدوارالقوى أخرى تناصره ولكن ماهي؟؟.تساؤلات كهذه تضيف تعقيدات متيقن او غير متيقن منها لنتائج الانتخابات القادمة. علما بإن الاجابة الاساسية جاءت من زعيم التيار الصدري "تحالف سائرون" السيد مقتدى الصدرالذي تراجع في نهاية اغسطس 2021 عن موقف سابق معارض بشدة لانتخابات برلمانية مبكرة متجها لطلب تاييد مليوني من انصاره للانتخابات أوكتوبر. علما بأن الموقف الصدري السابق من المعارضة المبدئية للانتخابات القادمة شجع قوى أخرى مثل الحزب الشيوعي والقائمة الوطنية للدكتور اياد علاوي وجبهة الحوار الوطني للدكتور صالح المطلك وغيرها من تيارات مدنية – علمانية على تبني خيار المقاطعة إنطلاقا من رؤية مفادها أن شرعية النظام السياسي عقب إنتخابات اوكتوبر ليست واردة بل العكس هو الصحيح.

قوى أخرى تقليدية تنتمي للطائفتين الشيعية والسنية إتخذت ومنذ البداية مواقف غير مترددة من إجراء الانتخابات بدءا من مواقف واضحة للسيد عمار الحكيم (تيار الحكمة) وللدكتور حيدر العبادي (إئتلاف النصر) تحث مريديها على أجرائها في موعدها المبكر. اكثر من ذلك ربما ستتهيئ الفرصة المناسبة لكلا التكتلين السياسيين لتشكيل إطار تحالف مشترك إلى جانب قوى غير تقليدية (من نتاج الثورة الشبابية التشرينية). الامر الذي سيسهم بتدحرج كرة الجليد لإجراء انتخابات تحضى بقوة جماهيرية "واسعة نسبيا" تنتمي في سياقها العام للثورة التشرينية الراغبة بإحداث تغيير إصلاحي حقيقي للنظام السياسي.علما بأن التغيير الايجابي الاخير للتيار الصدري قد يقلب الطاولة السياسية على عقبها خاصة إذا تم استقطاب جزءا لايستهان به من مريديه ومن تيار الثورة التشرينية في تحالف مشترك. جدير بالذكر ان موقف الصدر الاخير الايجابي من عقد الانتخابات في موعدها قد جاء استجابة لأمرين أولها: دعوة مستمرة من رئيس الحكومة السيد مصطفى الكاظمي ومن رئاستي الجمهورية والبرلمان تدعو الصدر الاقلاع عن معارضته للانتخابات وثانيا ما اشار اليه الصدر في رسالة تبرر عودته للانتخابات مليونية ستغيير ولاشك الاوضاع بأتجاه تسنم الصدريين سدة الحكم وإنجاز بنود ورقة الاصلاح السياسي – الاقتصادي.من منظور مكمل مضاد يبرز تكتلا أخر من التيارالسياسي الشيعي ينادي وبشدة لأنعقاد الانتخابات البرلمانية بهدف تأسيس ما يعرف بحكم الاغلبية على رأسه قائمة دولة القانون وحزب الدعوة تحت رئاسة نوري المالكي حيث يسعى الأخير لاستعادة دور غيب عنه منذ الـ 8 سنوات الماضية للمرة الثالثة. ضمن هذا المنظور قد نشهد تعاونا او تنسيقا او حالة تشاركية أخرى بين تكتل سائرون مع التحالف الاقوى في انتخابات 2018 (تكتل الفتح) الذي يتزعمه هادي العامري إضافة لقوة رئيسة من الحشد الشعبي وكيانات حزبية – مؤدلجة اخرى أندمجت في ظل الكيان السياسي العراقي منها (بدر وعصائب أهل الحق) واخرى لازالت خارج أطاره الدستوري (حزب الله). قوى تتمتع بإحتكار لقوة السلاح إلى جانب النفوذ السياسي - الاقتصادي – الاجتماعي. ظرف كهذا حرج، صعب ومعقد لايمكن التنبؤ بنتائجه خاصة مع عدم إمكانية التحديد الدقيق للقوة الاجمالية للتيار الصدري ولتيارالثورة التشرينية التي ستسهم بعض فصائلها في الانتخابات القادمة. ستبقى الصورة العامة تتسم بالضبابية خاصة مع عدم معرفة كيف ستكون عليه مواقف واتجاهات التكتلات الرئيسة من الطائفة السنية ("تحالف تقدم" بزعامة محمد الجلبوسي،"تحالف عزم" بزعامة خميس الخنجر و"مشروع جبهة الانقاذ" بزعامة إسامة النجيفي) من التشارك السياسي مع اقطاب الكتل الشيعية والكردية المتنافسة. إن الفشل في أمكانية حسم النتيجة النهائية لصالح قوة سياسية واحدة من الطائفة السنية او من الطائفة الشيعية ستعني تشكل إئتلافات متنافسة تتقاطع وربما تتكامل في برامجها السياسية عقب انتهاء الانتخاب. تحالفات تنم عن سمة التنافس والصراع على السلطة والموارد من خلال قوة النفوذ السياسي المكتسب من حالة الهيمنة على دوائر صناعة القرار او من خلال نيل دعم جهات خارجية سياسيا – ماليا بعيدا عن دور فاعل نسبيا لمفوضية الانتخابات. ترتيبا على ذلك سنجد ان الدور السياسي للتحالفات مبني على الولاءات الشخصية اكثر منه تعزيزا للمؤسسات الدستورية – السياسية – الديمقراطية ربما سيكون الفيصل في تقدير كيفية إدارة البلاد والازمات. إنطلاقا من كل ذلك سنجد المزاج الانتخابي شخصي متغير وغير متيقن منه سواءا للناخبين اوللمرشحين الذين سيصلون لمواقع المسؤولية. بعبارة بسيطةإن الانقسام والتشظي السياسي المقبل مرتبط بالشخصيات والمصالح الخاصة اكثر منه بالقيم الديمقراطية –المؤسسية. هذا ويجب ان لاننسى أهمية توافر بعد آخر يجعل من الصعوبة بمكان التنبأ بما ستؤول اليه الامور يرتبط بحساب إمكانية تقدير قوة التيار السياسي للكرد سواءا في إطار الحزبين التقليدين (الاتحاد الوطني والاتحاد الديمقراطي الكردستاني) ومدى احتمالية خروجهما بموقف موحد او تأسيس موقف تشاركي او تصادمي مع أحزاب أخرى للكرد من الجيل الجديد اومن الحركات الاسلامية اوغيرها من الاقليات العرقية – الدينية (تركمان، يزيديين، شبك ومسيحيين وغيرهم).

إذن على ضوء كل مايتم معرفته من معلومات جديدة ذات مصداقية سيتم قياس أفضل لمدى أهمية القوة الانتخابية الكلية وتأثيراتها المتوقعة على عملية بلورة وصياغة النظام السياسي الجديد. الامر الذي يأخذنا إلى المحور الثاني حول ابرز التحديات والتداعيات المتوقعة.

ثانيا: التحديات والتداعيات الواجب تجسيرها

ابرز التحديات يتمثل بإجراء انتخابات برلمانية حرة، آمنة ونزيهة في ظل اشراف ورقابة دولية للامم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الامر الذي أكدت عليهمرارا حكومة السيد مصطفى الكاظمي (لم يرشح للانتخابات البرلمانية القادمة) والامم المتحدة. إن نجاح حكومة السيد الكاظمي في تلبية المعايير الاساسية لانتخابات حرة، آمنة ونزيهة سيضاعف من نسبة المصوتين "الناخبين" يوم الاقتراع في العاشر من اوكتوبر القادم ولكن في حالة الاخفاق فإن النسبة قد تقارب النسبة السابقة (20 بالمائة) او تتجاوزها قليلا. إذن من الاهمية بمكان أن يكون التحدي المقبل يرتبط بالسعي المستمر لإضفاء الشرعية الانتخابية – السياسية. تحدي إن تم تجسيره سينجح العراق في إعطاء صورة وطنية مشرقة نسبيا بعيدة عن التاثيرات السياسية للتدخل الخارجي "اقليميا" من قبل دول الجوار خاصة ايران وتركيا ودوليا من قبل الولايات المتحدة الامريكية. هذا ولعل من أهم ما يمكن تصوره لنجاح النظام السياسي العراقي احتواء مخاطر السلاح المنفلت او الخارج عن الحدود الشرعية للدولة التي تجسدها سلطات الدولة العسكرية – الامنية بضمنها قوة الحشد الشعبي التي اضحت قانونيا جزءا اساسيا من ضمن القوة الرسمية للدولة.

ضمن الاطار السياسي- الامني – الستراتيجي تبرز الاهمية المتصاعدة للتعجيل في التقديم للعدالة كل من يثبت قضائيا – قانونيا تورطه بقتل نفس عراقية عزيزة واحدة فما بالك وقد خسر العراقيون ما يقارب او ربما يتجاوز الـ 600 متظاهرا مسالم مع 20000 جريحا. اما التحدي الاخر الذي يجب مواجهته بكل اقتدار فيتمثل بتقليص مساحات الفساد الاداري – السياسي "الحزبي" – الاقتصادي – المالي. إن الفشل في إدارة الملفات الامنية – الاقتصادية – المالية والاجتماعية – الثقافية – التقنية – البيئية – الصحية سيؤدي إلى تداعيات تؤثر بشكل خطير على وحدة وقوة تماسك الجسد المجتمعي – السياسي – الاقتصادي للدولة العراقية. لاشك من المؤشرات التي يتظرها شعبنا مايلي:

• جهد حثيث لإنجاح الحرب ضد الفساد بكل أشكاله ومضامينه ومستوياته تماما كالحرب ضد الارهاب الداعشي وغيره من خلال استخدام الاساليب التقنية الحديثة.

• الضرورة القصوى لتاسيس مشروعات أنتاجية مثمرة سواءا من خلال مشاركات اقليمية او دولية في إطار خطط استثمارية تنموية مستدامة من خلال استقطاب الراسمال الوطني او الدولي الذي يعتمد على تفعيل دور القطاع الخاص في مشروعات تنموية – مبتكرة ما يؤدي لرفع مستوى ونوعية المعيشة للمواطن العراقي. الامر الذي سيقلص بالضرورة من نسب الفقر، الجريمة (بمختلف اشكالها ومضامينها) والبطالة العالية خاصة بين الشباب المنتفض على واقعه المآساوي.

• إن النجاح في مواجهة المحاصصة المقيتة دينيا – مذهبيا – قوميا – عرقيا وجهويا مسألة حيوية لبناء عراق دولة االمواطنة " الدولة المدنية" الصامدة امام الاشكالات والتحديات الجسيمة والتي تنحو بأتجاه خلق تنمية إنسانية مستدامة شاملة تستجيب لكل مطالب حقوق الانسان وحرياته الاساسية بعيدا عن فكرة "مبدأ المكونات" الذي كرسه الدستور العراقي للعام 2005.

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.