.
.
.
.

هل إنتهى إتفاق "الطائف"؟

رامي الريس

نشر في: آخر تحديث:

ليس التوجّس من إتفاق الطائف جديداً عند بعض القوى السياسية التي لا تخفي عدم إحترامها له، وتعكس ذلك في سلوكياتها اليومية، لا بل البعض منها ذهب في إتجاه الإعتداد بـ"تعديله بالممارسة"، أي عمليّاً خرق الدستور. فإذا كان ثمّة إتفاق سياسي تُرجمت مضامينه وثوابته في متن الدستور صار تعديلها بالممارسة يعني تجاوز الدستور وعدم الاكتراث لمندرجاته.

وإذا كان هذا الحقد التاريخي من قبل بعض الأطراف للاتفاق الذي أسكت المدفع في لحظة تقاطع دولي- إقليمي بات معروفاً من قبل اللبنانيين، فإن تحالفه مع أطراف أخرى قلّما تكترث للاتفاق أو لكل مقوّمات الدولة هو الذي عزّز إحتمال الانقضاض التدريجي عليه أكثر قابليّة للتحقق لا سيّما في لحظات التحوّل الاقليمي الكبرى.

بين من خاض الحروب رفضاً للطائف ومن خاض الحروب غير مكترث للطائف، صارت تسوية الطائف في مهب الريح، وثمّة مؤشرات أن الاتفاق قد دخل مرحلة الموت السريري ولم يتبقّ سوى الاعلان عن الوفاة.

ولكن، ما هو البديل الميثاقي والسياسي عملياً؟ ما هي أسس التسوية الجديدة التي يمكن من خلالها تلافي الانزلاق نحو الحرب الأهلية مجدّداً ولو بمسبّبات وعناوين وإشكاليات مختلفة عن حقبة 1975؟ ما الذي يضمن عدم المسّ بالثوابت التي أرساها الطائف: نهائية لبنان، عروبته، والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين بمعزل عن النمو الديموغرافي؟ أساساً، لو لم يتم دكّ هذه الأسس من خلال الممارسة السياسية الملتوية لما كان ثمّة حاجة جدّية لتغيير الاتفاق أو لتجديد التسوية على قواعد مغايرة تماماً عن تلك التي صُنعت منها تسوية "الطائف".

ولكن السؤال الأساسي يتمحور حول الصيغة الجديدة المرتجاة والتي سوف تعكس حتماً موازين القوى الراهنة في المنطقة ومواقف الدول الكبرى منها. ما هو عنوانها الأساسي؟ وهل سيتمّ التراجع عن الاصلاحات السياسية التي أعادت توزيع الصلاحيات الدستورية بين السلطات والمرجعيات الرئاسية وفق معطيات مغايرة تماماً عن تلك التي كانت سائدة قبل "الطائف"؟

أي موازين قوى سيعكسها الإتفاق الجديد في اللحظة التي يُفاخر فيها محور الممانعة والمقاومة بأنه حقق إنتصاراتٍ في العديد من المواقع؟ وماذا عن اللاعبين العرب والدوليين الآخرين الذين يملكون تأثيراً في الساحة اللبنانيّة؟

إن تلاقي الحقد القديم ضدّ "الطائف" مع الأجندات الإقليميّة العابرة للحدود التي قلّما تكترث للإتفاق يعني أن ثمّة ما يُحاك للدفع في إتجاه التغيير الكبير. ليست تسويات أنابيب النفط أو الخطوات الالتفافيّة في ما يتعلق بناقلات النفط سوى بعض مؤشراتها الأوليّة وهو ما يتطلّبُ قراءةً دقيقةً وهادئة.

الأكيد أن لبنان القديم إنتهى. لم يعد من السهل الحفاظ على هويته التعدديّة التي لطالما كانت إحدى ميزاته البارزة، وهذا يشكل بذاته تحدياً كبيراً، إن لم يكن وجوديّاً. صحيحٌ أن المأزق الاقتصادي العميق الذي تمّر به البلاد يحتّم إعادة النظر بصورةٍ جذريّة في الأسس الإقتصاديّة الملتوية وغير العادلة التي إرتكز عليها الاقتصاد، إن كان في كسر الاحتكارات وتعزيز مفهوم العدالة الاجتماعيّة والمساواة والإنماء المتوازن. ولكن، في ما يخص الميزات التفاضليّة العديدة التي لطالما تمتّع بها لبنان، لا شك أن علامات إستفهام كبرى تحوم حول إمكانيّة إستعادتها.

لذلك، السؤال المحوري هو: هل أن التفاوض المبكر على أسس التسوية كفيلٌ بتحسين شروطها أم أن الرهان على تحوّلات غير مرتقبة سيؤدي بشكل أو بآخر إلى تعديل في موازين القوى ويعكس نفسه تالياً في الواقع الداخلي؟ التغيير آتٍ لا محالة، والتعامل مع مكوناته يرسم حدود وعناوين الحقبة المقبلة المليئة بالتغيرات السياسيّة الكبرى.

نقلا عن نداء الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.