.
.
.
.

في ذكرى 11سبتمبر العشرين... أفغانستان تعود مصدر إلهام وملاذ للمتطرفين

لطالما شكلت البلاد نقطة جذب وتهافت لهؤلاء من الصين إلى الشيشان ومختلف أنحاء العالم العربي

سوسن مهنا

نشر في: آخر تحديث:

أعاد خروج الولايات المتحدة السريع من أفغانستان، عقارب الساعة 20 عاماً إلى الوراء، حين كانت حركة "طالبان" قائدة للتطرف العالمي، ودولة أفغانستان الملاذ الآمن للجماعات المتطرفة الإرهابية حول العالم.

ومع الحملة التي قامت بها جماعات إرهابية على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها، عبّر أفراد يرتبطون بشبكات تنظيم "القاعدة" أو "هيئة تحرير الشام" التي تعتبر "طالبان" مثالها الأعلى، عن ترحيبهم بالاستيلاء السريع على البلاد، إضافة إلى اعتبارهم أن صبرهم وثباتهم الأيديولوجي سيجلب لهم حظوة عند الله. وكتب أحد كبار عناصر "هيئة تحرير الشام" قصيدة بهذه المناسبة، قال فيها، "يا إله البشر، نريد النصر به تباركون الشام الشريفة، كما شرّفتموها شرّفوا أرضاً، تتوق إلى كسر بشار العميل". وكتب أخر يُدعى أبو الفتح الفرغلي، "اللهم بارك في رجال طالبان الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدّلوا تبديلاً. نصر طالبان درس للأمة في الثبات على الحق إلى تحقق النصر". وبالمثل، أعلن زعيم "هيئة تحرير الشام" أبو مارية القحطاني أن "انتصار طالبان انتصار للمسلمين، انتصار لأهل السنّة، انتصار لجميع المظلومين".

أيضاً القنوات الاعلامية الخاصة بالحركات الإرهابية، مثل شبكة "الثبات" الإعلامية التابعة لتنظيم "القاعدة"، رأت أن "مسلمي ومجاهدي باكستان وكشمير واليمن وسوريا وغزة والصومال ومالي يحتفلون بتحرير أفغانستان وتطبيقها الشريعة". بدورها حركة "حماس"، أشارت إلى أن "نجاح (طالبان) جاء تتويجاً لجهادها الطويل على مدار 20 عاماً مضت".

وإذا كنا نفهم احتفاء تنظيم "القاعدة" الكبير بما سمته "النصر المبين" في بيانها بعد سقوط كابول؛ فإن لسقوط "قاعدة باغرام الجوية" أهمية شديدة، نظراً إلى كونها استُعملت كسجن أيضاً، ضم آلافاً من عناصر "طالبان والجماعات الإرهابية الأخرى"، وكانت تحتجز أهم سجناء التنظيم. كما أن سيطرة الحركة على البلاد أدت إلى عمليات هروب من السجون، حيث أُطلق سراح عناصر كثر من "القاعدة" وغيرها. وكان مصدر إقليمي لمكافحة الإرهاب كشف لشبكة "سي أن أن" الأميركية عن أن "ما يصل إلى مئات عدة من أعضاء تنظيم داعش من المحتمل أن يكونوا فروا من السجون في باغرام وبول شارخي"، وكلاهما شرق كابول، مشيراً إلى أن السجنين "سقطا في يد طالبان قبل وقت قصير من دخولها العاصمة الأفغانية".

11 سبتمبر وإعادة هيكلة "القاعدة"

في تحليلات وتقارير متتالية نشرها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" منها لهارون ي. زيلين، الباحث في الجماعات الإرهابية في شمال أفريقيا وسوريا، والباحث روي غوتمان، تقول إن عودة محتملة لـ"القاعدة" صارت مؤكدة، لكن عودة "طالبان" ربما تؤدي أيضاً إلى تدفق المتمردين واللاجئين نحو الصين وروسيا وإيران وباكستان وأوزبكستان، كما أن انتصار الحركة أعطى أملاً جديداً بالحياة للمتطرفين الإسلاميين في العالم، لذلك على الدول المجاورة القريبة والبعيدة، بما فيها روسيا والصين، توخّي الحذر.

وفي حلول ذكرى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) العشرين، من المفيد التذكير بأن أسامة بن لادن لم يكُن الإرهابي الوحيد الذي وجد ملاذاً آمناً له في أفغانستان خلال فترة تولي "طالبان" الحكم بين عامي 1996 و2001. فقد شكلت أفغانستان نقطة جذب وتهافت للإرهابيين من الصين إلى الشيشان ومختلف أنحاء العالم العربي، للمشاركة في التدريبات العسكرية والقتال. ومع أن الحركة تعهدت وعلى لسان الناطق باسمها سهيل شاهين، بأنها ملتزمة "عدم السماح لأي شخص باستخدام الأراضي الأفغانية ضد الولايات المتحدة أو حلفائها"، فإن كثيرين شككوا بمدى صدقيتها أو تنفيذها لتعهد كهذا. ونقلت مجلة "تايم" الأميركية عن أحد المسؤولين الأمنيين في الإدارة السابقة قوله للرئيس دونالد ترمب، "لقد أخبرناه أنك إذا انسحبت الآن، فحين يفجر الإرهابيون مول أميركا، فسيفجرونه عليك".

أيضاً نشرت مجلة "ديبلومات" الأميركية مقالاً للباحث سوراف ساركار، في يونيو (حزيران) الماضي بعنوان "طالبان والقاعدة شراكة دائمة، أم التزام؟"، عدّد فيه الباحث الروابط الطويلة بين الاثنين، إضافة إلى تشاركهما النظرة ذاتها المتشددة للإسلام، وتعهد زعيما "القاعدة" أسامة بن لادن وأيمن الظواهري بالولاء لزعيم الحركة السابق الملا عمر. كما تعهد الظواهري بالولاء لزعيمها اللاحق هبة الله أخوند زاده. وهذا يعني أن كل مجموعات "القاعدة" حول العالم ملزمة بقسم الولاء لأخوند زاده. وفي هذا المجال، يقول مدير الأبحاث في مركز صوفان معهد الدراسات الجيوسياسي "Soufan Center" كولن كلارك، ومقره في نيويورك، "هذا يعطي الإرهابيين زخماً كبيراً، وهذا جعلهم يعتقدون أن بإمكانهم طرد قوة أجنبية بمثل عظمة الولايات المتحدة". وأضاف، "أتوقع تكثيف الدعاية لتبلغ ذروتها في الذكرى الـ 20 لاعتداءات 11 سبتمبر 2001، هذا سيقوي معنويات الإرهابيين من شمال أفريقيا وصولاً إلى جنوب شرقي آسيا".

نقطة جذب

يعتبر كثيرون من الباحثين في شؤون الإرهاب والتطرف أن أفغانستان كانت معقلاً جاذباً للإرهابيين في ذروة الحرب مع الاتحاد السوفياتي، وفي زخم انتشار تنظيم "القاعدة". ماذا عن اليوم؟

في ديسمبر (كانون الأول) 2018، صرح مسؤول كبير في "طالبان" لشبكة "إن بي سي نيوز" الأميركية أن "هيئة تحرير الشام" تضم ما بين 2000 إلى ثلاثة آلاف عنصر أجنبي، إضافة إلى تدفق أعداد مماثلة من العناصر الأجانب للالتحاق بصفوف "داعش" في أفغانستان. ولم يحدد أرقام، لكن جزءًا كبيراً من قيادته المحلية باكستاني، كما جاءت عناصره من أوزبكستان أو طاجيكستان أو قرغيزستان أو روسيا أو شينجيانغ أو الأردن أو إيران أو تركيا أو إندونيسيا أو بنغلاديش أو الهند أو جزر المالديف أو الجزائر أو فرنسا.

وها هو هذا التنظيم الذي يُدعى بـ"ولاية خراسان" يصبح المسؤول عن تفجيرات مطار كابول الأخيرة في 26 أغسطس (آب) الماضي، في أفغانستان، ما يدل على أن الخطر الأمني الفعلي يأتي من "داعش" وليس من "طالبان". يقول الباحث هارون ي. زيلين إن المهم في الدول التي أتت منها عناصر التنظيمات الإرهابية، هو أن هذه الدول تتكون من عرقيات هي امتداد لعرقيات أفغانستان، فنحو 24 في المئة من سكان أفغانستان من الطاجيك، وتسعة في المئة من الأوزبك، وثلاثة في المئة من التركمان، ما يجعل أي تطورات في أفغانستان تؤثر في هذه البلدان التي كانت تاريخياً على علاقة وثيقة مع العالم الإسلامي عبر طهران وكابول، لكن انقطعت هذه الصلة بعد احتلال الروس لهذه البلاد في القرن الـ 19.

التنظيمات التي تعمل على الأراضي الأفغانية

تواصل الجماعات الإرهابية العمل من على الأراضي الأفغانية ومنها "الحركة الإسلامية لأوزبكستان" و"كتيبة الإمام البخاري" و"الحزب الإسلامي التركستاني". ويُعتبر الحزب التركستاني مصدر قلق كبير للصين نظراً إلى جذوره في إقليم شينجيانغ في البلاد، ذلك لأنه منظمة مسلحة "إيغورية" انفصالية تدعو إلى إنشاء "دولة إسلامية" في الإقليم، شمال غربي البلاد، كما شارك في الحرب الأهلية السورية كمرتزقة لدولة تركيا. يذكر أنه كان عُرض على "الإيغور"، الذين يتعرّضون حالياً لقمع شديد وتهديد بالإبادة الجماعية في الصين، اللجوء تحت حكم "طالبان"، واستقرت مجموعات منهم في كابول، ونُشرت أعداد منهم أيضاً في كتيبة الأجانب التي تقاتل الأعداء الداخليين للحركة. فخلافاً للوعود والتعهدات المطمئنة لزعماء "طالبان"، إلا أنه من الواضح أن مجموعات "الإيغور"، المشهود لها بشراستها القتالية، ستركز نشاطها على الداخل الصيني حيث الأقلية الإسلامية. وليس العناصر الطاجيك والأوزبك الوحيدين الذين ثبت وجودهم مع "طالبان" الأفغانية في ولاية بدخشان، بل كان هناك كذلك عناصر من الشيشان.

يذكر أن العلاقات بين "طالبان" والحركات الإرهابية الأوزبكية والطاجيكية، ترسخت بعد مقتل زعيم الجماعة عبد العزيز يولداش، وكان يقاتل في صفوف "طالبان" خلال عملية نفذتها القوات الخاصة الأفغانية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وهو نجل مؤسس الحركة الإسلامية في أوزبكستان القائد العسكري المتمرس طاهر يولداش الذي كانت تربطه علاقة وثيقة بأسامة بن لادن، وقاتل أيضاً في صفوف "طالبان". وكانت العلاقة مع "أنصار الله" التي تُعرف بـ"طالبان الطاجيكية" بدأت، عندما استولت الحركة على المناطق الحدودية، ونقلت سيطرة خمس مناطق في ولاية بدخشان إلى أيدي الجماعة، وهي منظمة محظورة في طاجيكستان وتُعتبر "منظمة إرهابية".

وفي سياق متصل، قال مسؤول أمني أفغاني كبير، "الحقيقة تشير إلى أنهم يسمحون للإسلاميين الطاجيك بالسيطرة على مناطق في أفغانستان تكشف عن أن هدفهم الحقيقي تأسيس إمارة إسلامية في البلاد. ثمة جماعات متطرفة أخرى تحمل الهدف ذاته، وهو السبب في أن البلاد التي تتدخل بقوة في أفغانستان، مثل باكستان، ربما تندم على ما تفعل".

"طالبان باكستان"

لطالما واجهت "طالبان باكستان"، الجيش والاستخبارات الباكستانية، ومع هذا، فإن النصر الذي حققه حلفاؤها في "طالبان الأفغانية" دفعها إلى تصعيد إرهابها الخاص ضد إسلام آباد، ونفذت الحركة 32 هجوماً داخل البلاد منذ بداية هذا العام. وتعهد قائدها، مفتي نور والي محسود، بشنّ حرب مقدسة ضد حكومة عمران خان، في وقت حذّر متحدث باسم القوات المسلحة الباكستانية من أن "داعش" و"طالبان باكستان" والتابعين لهما "يستخدمون قواعدهم في أفغانستان لتخطيط الهجمات وشنّها ضد القوات المسلحة الباكستانية".

الحركة الإسلامية لأوزبكستان

عام 1997، أعلنت "طالبان" بصورة مشتركة مع زعيم انفصالي أوزبكي تشكيل "الحركة الإسلامية لأوزبكستان"، إضافة إلى "الجهاد المقدس" لإطاحة رئيس أوزبكستان آنذاك. وبعد عام واحد، زوّدت "الحركة الإسلامية لأوزبكستان" حركة "طالبان" بنحو 600 عنصر من البلاد ودول أخرى في آسيا الوسطى، وسمحت الحركة لزعيم إسلامي أوزبكي بقيادة جميع المتطوعين من آسيا الوسطى، وحتى "الإيغور" من منطقة سنجان الصينية. وفي وقت تعمل مجموعات الطاجيك والأوزبك للاستيلاء على ساحات آسيا الوسطى حيث النفوذ الروسي، تخطط الولايات المتحدة لإرسال قوات أميركية إلى هذه المنطقة بذريعة حمايتها من مخاطر حركة "طالبان". بالتالي، فإن الخطر الثاني للحركة بعد الصين هو في اتجاه روسيا من خلال دول آسيا الوسطى.

هوية الفارّين من سجون أفغانستان تحدد التهديد

يقول هارون ي. زيلين إن من المرجح أن يؤدي هذا التدفق من قدامى الإرهابيين إلى تحفيز جهود تنظيم "القاعدة" لإعادة بناء بنيته التحتية المحلية. وفي غياب أي معلومات عن هوية الفارّين، من الصعب معرفة ما إذا كانت الشخصيات المعروفة السابقة لا تزال تعمل ضمن شبكة "القاعدة" في أفغانستان وباكستان أو لا، أو ما إذا كانت تتكون أساساً من شخصيات جديدة، سواء كان أعضاؤها عناصر محليين أو إقليميين.

ولسدّ هذه الفجوة وتمكين تقييمات أفضل لمستقبل "القاعدة" في أفغانستان، يجب على الحكومة الأميركية رفع السرية عن أسماء الشخصيات الرئيسة المسجونة في "باغرام" والمنشآت الأخرى. ولكن السؤال الأهم، ما هي أعداد عناصر التنظيم الموجودة خارج أفغانستان التي ستحاول العودة الآن بعد استيلاء "طالبان" على السلطة؟ ويعتبر بعض الباحثين أن ورقة سيف العدل، القيادي في "القاعدة"، الذي يعيش في إيران منذ الغزو الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر، وهو زعيم محتمل للتنظيم كخلف لأيمن الظواهري، مهمة بيد طهران كورقة مساومة مع مسؤولي "طالبان"، لتأمين مصالحها في أفغانستان وضمان رفاهية "الهزارة" الشيعة المحليين.

ومن بين العائدين المحتملين أولئك الذين انتقلوا من أفغانستان إلى سوريا على مدار العقد الماضي للمساعدة في الفروع المحلية للتنظيم، "جبهة النصرة" و"حراس الدين". وكانت "هيئة تحرير الشام" انفصلت عن التنظيم الأم وعززت سيطرتها بأن أصبحت سلطة محلية، كما ألحقت الهزيمة بجماعة "حراس الدين" في يونيو 2020، لذلك يسعى من تبقى من هذه الجماعة الذين تربطهم علاقات بالشبكة الأفغانية لتنظيم "القاعدة" في أفغانستان، للعودة إلى هناك.

*نقلاً عن "إندبندنت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.