.
.
.
.

خطر «الإخوان» في تونس

د. عبدالله جمعة الحاج

نشر في: آخر تحديث:

يواصل الرئيس التونسي قيس سعيد حركته التصحيحية الثانية في تونس، وهو يسير وسط حقول من الألغام والأسلاك الشائكة والمؤامرات التي يزرعها، ويمدها ويحيكها له الإسلاميون التونسيون، ممثلين في حركة «النهضة»، الحزب السياسي المعلن الذي هو في حقيقته الواجهة السياسية لجماعة «الإخوان» في البلاد. وآخر ما تعرض له الرئيس هي محاولة الاغتيال التي حيكت له ولكنه نجى منها بقدرة قادر، حيث تشير- العديد من المصادر الأمنية والإخبارية التي تتعامل مع الشأن التونسي- بأصابع الاتهام إلى خصومة السياسيين الشرسين ممثلين في التيارات الدينية التي تنشط في وسطها حركة «الإخوان» المعروفة بأساليبها العنفية ومنهجها في التعامل مع أعدائها وخصومها السياسيين ومناوئيها ومعارضيها عن طريق التصفيات الجسدية.

إن آخر المستجدات السياسية في تونس هي قيام الرئيس قيس سعيد بتمديد فترة تعليق عمل البرلمان التونسي إلى أجل غير مسمّى، وهي خطوة كانت متوقع القيام بها بسبب عدم إمكانية تنفيذ المخطط الإصلاحي الذي وضعه الرئيس في الفترة الوجيزة التي يتيحها الدستور للرئيس للقيام بذلك في غضون شهر واحد فقط. ويعود السبب في ذلك إلى التجذر الذي تمكن «الإخوان» غرسه لأنفسهم في مفاصل الدولة والمجتمع التونسي.

ومنذ الانتفاضة التي قام بها الشعب التونسي ضد حكم الرئيس الأسبق بن علي في ديسمبر 2010 - يناير 2011 و«الإخوان» في تونس يبذلون قصارى جهودهم للسيطرة على السلطة والثروة في البلاد، وقد تمكنوا من ذلك عن طريق الاستغلال السياسي المتقن للدين مصورين أنفسهم على أنهم الفئة الأفضل التي يمكنها حكم البلاد عن طريق الديمقراطية البرلمانية والتعددية الحزبية التي قبلوا بها كتكتيك يسيطرون من خلاله على السلطة، وهو أسلوب ومنهج يمارسه «الإخوان» في جميع الدول العربية التي يتواجدون فيها دون استثناء، فإذا ما استولوا على السلطة يقومون بعد ذلك بالانقلاب على الديمقراطية التي أوصلتهم.

لقد فعلوا ذلك من قبل في مصر والسودان والجزائر، فذلك هو ديدنهم، وهو ما يقف وراء قبولهم بالديمقراطية والتعددية الحزبية، فهم في حقيقة فكرهم لا يؤمنون حقيقة بشيء من ذلك مطلقاً، بما في ذلك وجود الوطن والدولة ذاتها. لذلك عندما أعلنت «النهضة» كحزب سياسي تَقبل الديمقراطية لم تكن قادرة على تبديد الشكوك؛ والتساؤلات حول رصيد «الإخوان» في التعامل مع الديمقراطية، فهل الخيار الديمقراطي حركة تكتيكية صممت خصيصاً للاستفادة منها في للوصول إلى السلطة، أم هو خيار استراتيجي من شأنه الصمود بعد الوصول إلى السلطة؟

وفي مواجهة تلك الشكوك زعم قادة «الإخوان» بأن خيار الحرية والديمقراطية، هو بالتأكيد خيار استراتيجي وليس عابراً، لكن في الواقع العملي، كان العكس هو الحاصل، فالديمقراطية بالنسبة لهم تعني وصولهم إلى السلطة عن طريق الانتخابات، ومن ثم تجيير مقدرات الدولة والمجتمع في مصلحتهم ومصلحة حزبهم. وما يقوم به الرئيس التونسي حالياً من جهود للإصلاح أمر مشكور ومقدر من قبل المجتمع والشعب التونسي مثلما هو ذو أصداء حميدة في كافة أرجاء العالم العربي، لكن المطلوب التعامل مع هذا الخطر بخطوات إضافية لا تشبه من يطفئ لهب النارو ويبقي على جذوتها، وهنا تكمن الطامة الكبرى، فـ «الإخوان» أصبحوا في العقود الأخيرة متجذرين في مفاصل المجتمع التونسي. وهنا تبرز أمامنا أسئلة تكمن في الإجابة عنها مفاتيح الحل: فكيف تمكن «الإخوان» من التجذر العميق في مجتمع كان منفتحاً على كل ما هو عصري وحديث؟ ولماذا حدث ذلك؟ وكيف تقبل مجتمع منفتح فكراً ضالاً يدعو إلى العنف؟ ولماذا حدثت الحركة التصحيحية الأولى بعد انتفاضة 2011؟ ولماذا تحدث الحركة الحالية؟ وما الذي يتوجب على التونسيين فعله عملياً وبعمق لاجتثاث هذا الفكر الضال والمضلل من عقول ناشئتهم وشبابهم؟ وهناك العديد من الأسئلة الأخرى لكن المهم أن عمليات الإصلاح لن تتم وتكتمل إلا من خلال الإقدام على وضع استراتيجية بعيدة الأمد لاجتثاث الفكر «الإخواني» من جذوره تقوم على تجفيف منابع الشرايين التي تغذي طموحات «الإخوان» في السلطة والثروة، من خلال سحب البساط من تحت أرجلهم بإيقاف التمويل المالي الغزير الذي يتلقونه، وقطع دابرهم في النظام التعليمي حيث يتغلغلون في عقول الناشئة. وأخيراً لابد من منعهم من استغلال منابر المساجد لتضليل المجتمع، سواء في تونس أو في غيرها من بلاد العرب والمسلمين.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.