.
.
.
.

11 سبتمبر.. مصنع الكراهية

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

العالم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ليس هو العالم قبله، فتلك الأحداث المفجعة لم تتوقف يوما عن التأثير فى مجريات الوقائع التى شهدناها على مدى عقدين كاملين، وهى أنتجت استراتيجيات أمنية وسياسية، وخلّفت ملاحم عسكرية، وصاغت تطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية، ثم لم تتوقف عن إنتاج المزيد من المفاجآت.

بسبب هذه الأحداث الصادمة اندلعت الحرب فى أفغانستان فى أكتوبر 2001، حيث تم احتلال هذا البلد، وإطاحة حكومة «طالبان»، وصولا إلى المواجهة الحاسمة مع تنظيم «القاعدة» هناك، وقتل زعيمه أسامة بن لادن.

وبعد عامين من هذا التاريخ، احتلت الولايات المتحدة العراق، وأطاحت حكومته، ثم ألقت القبض على صدام حسين، ليُحاكم ويُعدم، ويتم حل الجيش وحزب البعث وغيرهما من المؤسسات الوطنية، ليظل العراق منذ هذا التاريخ مفقودا، وواقعا تحت سيطرة إيران، وغائبا عن ممارسة أدواره الإقليمية والدولية، وعاجزا عن الوفاء باحتياجات أبنائه رغم ثرواته الضخمة.

وفى 2005، تم الإعلان عن خطة «الشرق الأوسط الجديد»، التى انتهجت استراتيجية «الفوضى الخلاقة» وفق تعبير كونداليزا رايس، وهى الاستراتيجية التى أنتجت ما عُرف لاحقا باسم «الربيع العربى»، ومن خلاله تم تقويض عدد من البلدان، وهُدمت أنظمة، وباتت شعوب بأكملها ضحية للفتن والحروب الأهلية واللجوء والتشرد. أدارت الولايات المتحدة المنكوبة بأحداث سبتمبر حربا عالمية على الإرهاب، وهى حرب وصلت نيرانها وإجراءاتها الأمنية إلى نحو 76 دولة، وباتت عنوانا لاستراتيجية كونية راحت تتنقل من بلد إلى بلد، وتحقق نجاحات متفاوتة من دون أن تقضى على الإرهاب أو تمنع تمدده وانتشاره.

وتبنت واشنطن فى ذروة شعورها بالصدمة والترويع ما قالت إنه خطة لنشر الديمقراطية فى العالم العربى والإسلامى، قبل أن تنفق فى هذا المضمار موارد وبشرا وجهودا، وتكلفة تم تقديرها بتريليونات من الدولارات،

.. قبل أن تعود النخبة الأمريكية الحاكمة لتعترف بأن خطة نشر الديمقراطية لم تحظ بالنجاح.

يأتى سبتمبر 2021، بعد عقدين كاملين من الحدث الأساسى المروع، ليفاجئنا بالحقيقة المذهلة، إذ عادت «طالبان» إلى الحكم فى أفغانستان، ورغم نزعة براجماتية واضحة تغلف خطابها، فإن جوهرها الأيديولوجى مازال ينتمى إلى القرون الوسطى، ومازال يعلن بلا مواربة فشل السياسة الأمريكية واندحارها.

لم تكن تلك وحدها هى تكاليف 11 سبتمبر، ولم يكن إخفاق واشنطن فى التجاوب مع هذا الحدث الصادم كل ما تمخضت عنه الأحداث، لكن بموازاة تلك الحروب والتحولات السياسية والاستراتيجية الدراماتيكية، كانت الكراهية تندلع وتتقدم وتسرى كما النار فى الهشيم.

تسببت أحداث 11 سبتمبر، والاستجابة الغربية لها خصوصاً، فى صعود خطاب الكراهية، وفى السنة التالية مباشرة للعملية الإرهابية الأضخم فى التاريخ كانت الخطابات المناهضة للمسلمين فى العالم الغربى قد زادت بنسبة 1600%، وبعد 15 عاما من الحدث، صدرت دراسة مهمة لتبين أن العمليات الإرهابية زادت بمعدل أربعة أضعاف حول العالم عما كانت عليه قبل 2001.

واليوم، يواجه العرب والمسلمون نيران الكراهية فى عديد من دول العالم، وصولا إلى الحادثة المفجعة التى شهدتها نيوزيلندا فى 2019، حين فتح إرهابى أسترالى أبيض النار على المصلين فى مسجدين، فقتل 51 منهم.

لقد كانت 11 سبتمبر واحدة من أضخم العمليات الإرهابية فى التاريخ، وكما أصبحنا نعلم جميعا، فقد أنتجت مآسى ومرارات تكفى لعقود، ومع ذلك فإن تحول تلك الفاجعة إلى مصدر مستدام لإنتاج الكراهية سيكون إحدى أهم مآسيها.

لم تغلق ملفات أحداث 11 سبتمبر، ولم يطمئن العالم إلى صيغة يحدد بها طبيعة المجرمين الذين كانوا وراءها، ومع ذلك، فإن هؤلاء استطاعوا أن يدشنوا مصنعاً للكراهية، وأن يحافظوا على كفاءته الإنتاجية لعقدين كاملين، وأن يتوقعوا مزيدا من النجاح.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.