.
.
.
.

أمبيرتو إيكو و11 سبتمبر

هاشم صالح

نشر في: آخر تحديث:

داعش تشغل العالم حاليًا. ولكن قبل داعش كان ذلك الحدث الأعظم المدعو بـ 11 أيلول/ سبتمبر. وقد أصبح واضحًا أن هذا الحدث الزلزال الذي حصل في العام الأول من القرن الحادي والعشرين ودشنه تدشينًا لا يزال يتحكم بالسياسة العالمية حتى اللحظة.

حيثما جلنا ببصرنا وجدنا آثاره ماثلة للعيان سواء في أفغانستان أو الباكستان أو العراق أو حتى سوريا. فالقوة الأعظم أصبحت تحدد سياستها الدولية بناء على الاقتراب من الأصولية أو الابتعاد عنها. فمحاربتها أصبحت بالنسبة للأميركان واجبًا مقدسًا. وهذا يعني أن ضربة 11 سبتمبر الدامية الإجرامية تركت في أعماقهم جرحًا لا يندمل. والآن ما هو رأي فلاسفة الغرب في «11» سبتمبر؟ أريد إعطاءهم حق الكلام لكي نعرف كيف يفكرون بنا: أي بمشاكل العرب والإسلام. غني عن القول إني لن أستطيع التحدث عن آرائهم كلهم وإنما سأختار من بينهم شخصاً يعتبرونه من كبار عقلائهم: ألا وهو المفكر الألماني يورغين هابرماس. فهناك إجماع عليه أنه أكبر عقل فلسفي في الغرب الأوروبي والأميركي حاليًا. فما رأي عالم كبير كهذا بحدث من نوعية «11» سبتمبر يا ترى؟ من المعلوم أن الكثيرين يقارنون «11» سبتمبر بحادثة بيرل هاربور التي حصلت عام «1941» وأدت إلى تدمير الأسطول الأميركي عن بكرة أبيه تقريبًا. وقد قام بالعملية الطيران الياباني، وبشكل مباغت جدًا «تماماً كما حصل صبيحة11 سبتمبر». فقد أغار عدة مرات على الأسطول الأميركي النائم والقواعد العسكرية الأخرى صبيحة «7» ديسمبر من ذلك العام تماماً كما أغارت الطائرات الانتحارية صبيحة «11 سبتمبر» على البرجين التوأمين في نيويورك.

وقد دامت الغارات المباغتة ساعة واحدة وأدت إلى قتل «2403» أشخاص ما بين ضابط وجندي ومدنيين أيضًا. كما أدّت إلى جرح ما لا يقل عن «1178» شخصًا آخرين. هذا في حين أن ضربة «11» سبتمبر أدت إلى قتل ثلاثة آلاف شخص دفعة واحدة. وبالتالي فالتشابه واضح بين كلتا الحالتين على الرغم من بعض الاختلافات البسيطة. وقد جنّ جنون الرئيس روزفيلت عندما سمع بالنبأ تماماً كما حصل لجورج دبليو بوش. وقرر على الفور دخول الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء ضد دول المحور: أي ضد ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان التي لم تكن تقل فاشية عنهما آنذاك. وعندما نزلت أميركا بكل ثقلها في الميدان أصبح واضحاً أن هزيمة هتلر لم تعد إلا مسألة وقت..

على الرغم من كل هذا التشابه بين الحدثين الصاعقين فإن هابرماس يفضل أن يقارن «11» سبتمبر بتاريخ إعلان الحرب العالمية الأولى في شهر أغسطس من عام «1914». فهل يعني بذلك أننا دخلنا في مرحلة حرب طويلة الأمد بين الحضارة الغربية والأصولية المتطرفة؟ ربما. وعلى أي حال فإن هذا ما يعتقده مفكر وكاتب إيطالي شهير هو أمبيرتو إيكو في كتاب صدر بعد ضربة 11 سبتمبر وكرد فعل عليها. ويرى هذا المثقف الإيطالي (المعروف في العالم العربي من خلال ترجمة بعض رواياته وكتبه النقدية الأدبية) أن العامل الثقافي هو الذي سيحسم المعركة بين الطرفين وليس العامل العسكري أو الحربي أو حتى التكنولوجي. ولذا فينبغي على الغرب أن يستخدم سلاحاً آخر مع العرب والمسلمين غير السلاح الذي يستخدمه بوش. وهو يقصد بذلك سلاح الفكر والإشعاع الحضاري والنزعة الإنسانية العميقة. فهو أكثر فعالية من الجيوش الجرارة.. ولكن من يستمع إلى صوت رائع وحضاري كصوت أمبيرتو إيكو؟ حتمًا ليس بيرلسكوني ولا المحافظون الجدد.

نقلا عن المدى

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.