.
.
.
.

إدارة السلام والحرب

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

التقرير الخاص بعدد مجلة «الإيكونيميست» البريطانية، الصادر فى ٢٨ أغسطس المنصرم، كان تحت عنوان «وداعًا للسلاح»، المستعار من رواية أرنست هيمنجواى (١٩٢٩) عن الحرب العالمية الأولى. التقرير البريطانى هذه المرة يدور حول الصراع العربى الإسرائيلى، وخلاصته جاءت فى العنوان «القضية الفلسطينية لم تعد تربط العالم العربى» و«أن النضال ضد إسرائيل رغم أنه لا يزال قائمًا بشدة، فإنه بالنسبة للحكومات العربية قد تجاوز أغراضه».

التحليل بعد ذلك والتفسير يقوم على التطورات التى جرت على الجانبين الإسرائيلى والعربى، والتى أدت إلى هذه النتيجة، وبالنسبة لإسرائيل فقد حدث انقلاب كبير لما كان فى بداية وجود الدولة الإسرائيلية حيث كانت الدول العربية هى العدو، بينما كانت دول الأطراف- إيران وتركيا- هى الصديق الذى اعترف بالدولة العبرية فى عام ١٩٥٠. الحال الآن اختلف تمامًا، وفضلًا عن سعى إيران لبناء القنبلة الذرية، فإنها بالإضافة إلى ذلك هى العدو الذى يدعم الراديكالية الشيعية فى لبنان (حزب الله) وسوريا أيضًا. تركيا من ناحيتها باتت عدوًا نتيجة مناصرتها لمنظمة حماس فى قطاع غزة.

وجرى ذلك بينما توسعت مساحات السلام مع الدول العربية، وبعد السلام المصرى والأردنى البارد، جاء السلام الإبراهيمى الأكثر دفئًا مع دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب. وحدث ذلك بينما باتت الدول العربية تشعر بتهديدات مُلِحّة من جانب إيران، التى ناصرت الحوثيين فى اليمن وضربت مناطق فى الإمارات والسعودية، ومن ناحية تركيا فقد حاولت الاختراق العسكرى فى ليبيا وجرّبت ممارسة تهديدات فى منطقة شرق البحر المتوسط. باختصار انقلب الحال عما كان عليه قبل عقود طويلة، ولكن الحال ظل على حاله ينقلب أيضًا، حتى أثناء وبعد نشر تقرير المجلة الشهيرة والرصينة فى العادة، ولكن فاتتها الحكمة هذه المرة.

والعجيب أن «التقرير الخاص» نُشر، بينما كانت التطورات والتغييرات الكبرى تجرى فى الشرق الأوسط، وفى طليعتها الخروج الأمريكى ليس فقط من أفغانستان، وإنما أيضًا مع إعلان صريح بالخروج من العراق، وضمنيًا لم يعد مستبعدًا الخروج أيضًا من سوريا والحرب «المنسية» فيها، والتى على أى حال لا يوجد فيها إلا ٩٠٠ جندى أمريكى. لم يُخْفِ الرئيس جوزيف بايدن على العالم ولا على القادة العرب عن نيته فى الانسحاب من الإقليم، وإعادة التموضع الأمريكى فى قلب حلفائها التقليديين فى أوروبا وآسيا.

ما تركته واشنطن فى المنطقة حزمة من الوعود باستخدام الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد للتأثير فى حركة الأحداث الجارية والمستقبلية ليس متصورًا مداها ولا قدرتها على النجاح. نتيجة هذا الخروج كانت تغييرات مهمة فى المنطقة حدثت حتى قبل الخروج المدوى فى مطار كابول بعد اقتحام طالبان للمدينة، والظهور المفزع لداعش خراسان، فلم تكن النية الأمريكية فى الانسحاب خافية على أحد. ومن اللافت للنظر أن التغيرات جرت على الجانب الإسرائيلى بقدر ما جرت على الجانب العربى والشرق أوسطى عامة.

إسرائيل العليمة جيدًا بالتطورات داخل الساحة الأمريكية وجدت أن تحت العلاقات الحميمة بينها وبين واشنطن، وحتى مع الشعب الأمريكى، فإنها لا تستطيع تجاهل ما يحدث فى أمريكا والغرب عامة من نمو كبير فى الاتجاهات المعادية للسامية التى تقتصر بها إسرائيل على اليهود. والحقيقة أنه لم تكن هناك صدفة أن إسرائيل بدأت فى تنويع علاقاتها العسكرية العالمية مع كل من الصين والهند على ما بينهما من خصومة.

وبغض النظر عما سبّبه ذلك من قلق لدى كثيرين فى الولايات المتحدة، فإن إسرائيل كانت تتعلم من النموذج الصينى فى العلاقات الدولية، والذى لا يجد غضاضة فى تحديث ميناء حيفا الإسرائيلى، والقيام بمشروعات كبيرة فى دول عربية مثل العاصمة الإدارية الجديدة فى مصر، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية واسعة النطاق مع إيران.

لم يكن العالم العربى ولا الشرق الأوسط خارجًا عن هذه التغييرات، وبشكل عام بدا أنه خلال العام الأخير جرت الكثير من المياه فى علاقات كانت متخاصمة فى أرجاء المنطقة فيما تعلق بعلاقات دول التحالف الرباعى (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) وكل من قطر وإيران وتركيا. لم تكن عودة العلاقات سهلة أو سلسة، ولكنها فى العموم عادت لكى تشمل أشكالًا كثيرة من التعاون. وبينما كانت مصر والأردن والسعودية تسعى إلى تحقيق الاستقرار فى العراق، فإن هذه الأخيرة باتت تشكل نوعًا من النافذة السعودية على إيران.

امتد التحسن فى العلاقات الإقليمية إلى إسرائيل من خلال أشكال للتعاون فى مجالات خاصة بالغاز وإنشاء منتدى خاص به فى شمال شرق البحر الأبيض المتوسط، ومن ناحية أخرى من خلال ما عُرف بالاتفاقيات الإبراهيمية، التى تضمن علاقات خاصة بين الخليج وإسرائيل. ما حدث فى المجالين لم يكن على حساب القضية الفلسطينية، وإنما توفير مجالات جديدة للتعامل مع إسرائيل وحل القضية الفلسطينية فى آن واحد. والحقيقة أن مصر خلقت مجالًا فلسطينيًا للحصول على اعتراف إسرائيلى بالكيان السياسى الفلسطينى من خلال التواجد فى تنظيم دولى واحد، هو منتدى الغاز لشرق البحر المتوسط، الذى من جانب آخر اقتصادى يعطى فرصًا واسعة لاستغلال الغاز الفلسطينى الواقع فى المنطقة الاقتصادية الخالصة أمام ساحل قطاع غزة.

الاتفاق الإبراهيمى بين الإمارات وإسرائيل نجح فى كبح جماح الضم الإسرائيلى للمستوطنات ومناطق فلسطينية أخرى، بينما كانت قطر تفتح طرقًا مالية واقتصادية لعون السلطة الوطنية الفلسطينية والقطاع، مع التمهيد لمزيد من فرص الصيد فى البحر المتوسط والحصول على الكهرباء من إسرائيل. كل ذلك جرى فى الوقت الذى استغلت فيه مصر علاقاتها مع إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار فى حرب غزة الرابعة، وتمهيد الطريق لإعادة إعمار غزة مرة أخرى.

خلاصة ذلك كله أن المنطقة كلها تمر بأجواء جديدة بدأت مع منتصف العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين عندما بدأت حركة الإصلاح فى عدد من دول الإقليم الرئيسية، خاصة فى مصر والسعودية، كاستجابة لما سُمى «الربيع العربى» من ناحية، ونتائجه الدامية من حروب أهلية وإرهابية واعتداءات إقليمية من ناحية أخرى. الإصلاح كان له وجه داخلى يقوم على بناء عناصر القوة والتجديد الفكرى، ووجه خارجى للتعامل مع قضايا الإقليم من زوايا مختلفة، تقوم جميعها على الدولة الوطنية وشروط عدم التدخل فى الشؤون الخارجية والمرونة فى الاستفادة من أجواء السلام التى تقود إلى حل مشاكل مستعصية.

القمة المصرية الأردنية الفلسطينية التى عُقدت مؤخرًا فى القاهرة تعكس نوعًا من المبادرة لقطع جمود التعامل مع القضية الفلسطينية وقطع الطريق على العناصر المتطرفة على الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى لكى توفر طريقًا لنمو الثقة لاستئناف عملية سلام تبعد عن الحرب وتقرب من التسوية لقضية استعصت على الحروب واتفاقيات السلام السابقة، وأكثر من ذلك تفتح أبوابًا كثيرة للتعاون الإقليمى ومواجهة تهديدات إقليمية عنيفة قادمة من أفغانستان أو من خارجها.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.