.
.
.
.

السيل الشمالي .. إرهاصات الزمن الأوراسي

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

ما الذي يجعل من قضية خط أنابيب السيل الشمالي 2، المتجه من روسيا إلى ألمانيا أمراً مزعجاً أيما إزعاج للولايات المتحدة الأمريكية وهل واشنطن تدرك صالح ومصالح الأوروبيين بأكثر من أهل القارة العجوز أنفسهم، حتى تثير عاصفة هوجاء من الاعتراضات السياسية، والتي وصلت إلى حد الغضب العارم كما رأينا في زمن دونالد ترامب؟

بداية يتوجب تعريف خط السيل الشمالي 2 ، وهو مشروع روسي لمد أنبوبي غاز طبيعي يبلغ طولهما 1200 كيلومتر، وبطاقة إجمالية 55 مليار متر مكعب سنويا، من الساحل الروسي، عبر قاع بحر البلطيق، إلى ألمانيا .

انطلقت أعمال بناء الخط منذ 3 سنوات، ويمر السيل الشمالي 2 ،عبر المناطق الاقتصادية الاستثنائية والمياه الإقليمية لكل من ألمانيا والدنمارك وفنلندا والسويد وروسيا .

والمعروف أن دول أوروبا تعتمد اعتمادا كاملا على الغاز الروسي ، ومن غيره تواجه صعوبات جذرية في استمرار الحياة على النحو الطبيعي، لا سيما في أزمنة الشتاء القارس، ومع التغيرات المناخية الطارئة حول كوكب الأرض .

على أن قضية توريد روسيا الغاز لأوروبا بشكل عام لا تخلو من ملامح سياسية ، ذلك أنه حين تعمد موسكو إلى إغلاق أنابيب الغاز ، فإنها بذلك تستخدم عصا ترهيب ، لا يمكن لأوروبا أن تقاومها ، ومن هنا يرى البعض أن أنبوب الغاز الخاص بالسيل الشمالي، هو في واقع الحال، أداة ابتزاز في يد الروس تجاه الجانب الأخر من حلف الناتو ، أي دول القارة الأوروبية.

والشاهد أنه على الرغم من كافة الصيحات الأمريكية الرافضة لمد هذا الخط ، إلا أنه ومع أوائل هذا الشهر، أعلنت شركة " نورد ستريم 2"، المملوكة لشركة "غازبروم " الروسية للغاز تركيب آخر أنبوب، ما يعني أن روسيا سوف تقوم بالفعل بتوريد الغاز إلى ألمانيا مع بداية أكتوبر تشرين أول المقبل .

تجيء هذه التطورات وسط نقص المعروض من الغاز في الأسواق الأوروبية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز المسال ، حيث اخترقت حاجز 20 دولارا صباح الثلاثاء الرابع عشر من سبتمبر، ومرشحة للمزيد من الارتفاع مع زيادة الطلب لبناء مخزونات احتياطية كافية لفصل الشتاء .

أظهر بناء خط السيل الشمالي 2، أن أوروبا منقسمة على ذاتها ، كما أنها ليست على قلب رجل واحد كما يقال ، فهناك فريق ذهب إلى القول أن الخط يمكن أن يحقق بعض الهدوء في أسواق الغاز الأوربية التي تواجه أزمة إمدادات ، وقد ناصرت المستشارة الألمانية ، أنجيلا ميركل ، هذا التيار وطوال عقد من الزمن ، لقناعة خاصة لديها بأن الأمر ربما تتجاوز منافعه قضية الطاقة .
وعلى الجانب الأخر تتعالى صيحات دول أوربية أخرى تزعم بأن خط الأنابيب هذا ، سوف يزيد من اعتماد الأوربيين على الغاز الروسي ، وسيجعل سكان القارة رهن إرادة القيصر، يحركهم آني يشاء وكيفما يشاء .

هنا يمكن القطع بأن الروس قد نجحوا بالفعل في تفعيل أوراق القوة الناعمة التي يمتلكون ، فلم يعد النفوذ الدولي لروسيا قاصرا على القوة العسكرية ، وإن برعت فيها موسكو مؤخرا ، بل عمق الروس مفهومهم للقوة الناعمة ، ولأدوات السطوة مثل النفط والغاز ، وبهذا تكون روسيا قد تعلمت من درس الاتحاد السوفيتي السابق، لتضحى عملاقا قدماه من نحاس لا من فخار .

مثل خط أنابيب السيل الشمالي نقطة مفصلية في الخلافات الأمريكية الأوربية خلال العقد الماضي ، وبلغت ذروة الفراق حين تحدث دونالد ترامب بصوت عال عن ما أسماه الازدواجية الأوروبية ، تلك التي تحتمي بقبة الناتو وأسلحته في مواجهة الأطماع الروسية ، وعلى ناحية مقابلة تمضي لشراء الغاز الطبيعي من روسيا وتهمل نظيره المسال من الأسواق الأمريكية .

ومع مجيء الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن تغير الوضع، فقد صرح قبل أيام بأن إيقاف بناء خط أنابيب الغاز أمر مستحيل ، حيث أكتمل بناؤه بنسبة 99%.

لماذا غير الأمريكيون موقفهم من خط السيل الشمالي 2؟
من الواضح أن واشنطن تركت خلفها العقوبات التي كانت قد فرضتها على الشركات المشرفة على بناء الخط ، بعد أن أدركت أن مسألة أمن الطاقة ، هي أمر حيوي ومصيري بالنسبة للأوربيين ، وبعدما تعهدت ألمانيا بتوقيع عقوبات اقتصادية على روسيا ، حال استخدمت الغاز كأداة من أدوات الضغط السياسي على أوكرانيا ، أو على أي من دول القارة الأوربية .

هل أقتنع الروس بالتراجع الأمريكي عن معارضة خط السيل الشمالي؟
خلال زيارته لمدرسة داخلية لتلاميذ وزارة الدفاع الروسية في الأسبوع الأول من شهر أيلول سبتمبر الجاري، قال وزير الخارجية الروسي ، سيرغي لافروف: "إن إدارة بايدن لم يتغير موقفها من خط الغاز ، هي لاتزال تعارض هذا المشروع ، لكنهم يدركون أنه لا يمكن إيقافه . وإذا فهمت أنك مهووس ببعض المهام غير القابلة للتحقيق ، فإن الفطرة السليمة تقول أنه يجب تركها والقيام بشيء واقعي".

قبل ذلك وفي حوار مع صحيفة "ماديا نيمزت " المجرية ، أشار لافروف إلى أن خط السيل الشمالي 2 مشروعا تجاريا حصريا متبادل المنفعة ، وأن المزاعم القائلة بأنه سيزيد من اعتماد أوربا على إمدادات الغاز الروسي لا أساس لها من الصحة ".

في هذا المساق ، ليس علينا أن نصدق لافروف مرة وإلى الأبد ، لا سيما وأن الاقتصاد لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن السياسة ، غير أن الجزئية التي تستحق إلقاء الضوء عليها هي الخلفية الخفية للرفض الأمريكي لمثل هذا المشروع ، وما الذي يعنيه التعاون الروسي – الأوربي عامة ، والألماني خاصة ؟

باختصار غير مخل ، ترى واشنطن في أي تعاون أوروبي –روسي ، مخاوف من أن تتحقق رؤية الرئيس الفرنسي الأشهر شارل ديغول والخاصة بالقارة الأوراسية ، تلك التي تمتد من المحيط الأطلسي غربا ، وصولا إلى جبال الأورال شرقا ، أي وحدة جيوسياسية ما بين أوربا بشكلها الحالي وأجزاء كبرى من آسيا.

المخاوف الأمريكية من الزمن الأوراسي بلغت قبل عامين ذروتها ، وذلك حين رأت واشنطن ما يشبه الاجتياح الصيني للقارة الأوروبية، وقبل أن تصنع كورونا جدارا نفسيا أوربيا في مواجهة الصين والصينيين.

مثيرة هي شؤون السياسة الدولية، فمن كان يصدق أن تميل أوروبا يوما لجهة روسيا، بعد عقود من الفزع والخوف في زمن الحرب الباردة، والأكثر أن تشهد العلاقات الأوروبية – الأمريكية عثرات يغني الحال فيها عن السؤال عنها.

الخلاصة ..العالم يتشكل من جديد وإرهاصات العالم الأوراسي تبقى أحد الاحتمالات القائمة بالفعل .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.