.
.
.
.

إمارة طالبستان

خالد أحمد الطراح

نشر في: آخر تحديث:

كلما لاح في الأفق تعافي أفغانستان من الفكر المتشدد والحركات الإرهابية المتسترة تحت عباءة الدين، تطل تهديدات شتى تقتلع الأمل السياسي في صمود كيان أركان الدولة المدنية في المحيط الجغرافي الممزق أساساً عرقياً ودينياً.
لا شك أن ثمة علاقة سببية بين ما يجري في أفغانستان الأمس، وإمارة طالبستان، نسبة إلى حركة طالبان، التي سيطرت على الحكم بقوة سلاح الملالي وبغطاء سياسي جديد، فأفغانستان ما زالت ساحة خصبة لفكر إرهابي يلد آخر تحت مسميات مختلفة، نتيجة توغّل الحركات الدينية المتطرفة، التي تتصف بالغلو على نحو مخالف للتعاليم العقائدية المتسامحة.

تواجه المنطقة عموماً من خلال البوابة الأفغانية وغيرها، كالجارة إيران، تهديدات جديدة تنذر بتوتر حاد فكرياً وسياسياً ودينياً، إلى جانب التهديد الأمني لاستقرار منطقة مضطربة أساساً وغير مستقرة نتيجة عوامل دينية متنوعة ومصالح أو بالأحرى أهداف ثورية ممنهجة.

محطات شتى شهدتها أفغانستان منذ الثمانينات، وولادة حركات إرهابية كالقاعدة وغيرها من قبل، فمن خلف الجبال المحيطة بأفغانستان وفي بعض المدن، التي تسيطر عليها حركات حزبية متشددة دينياً، تقبع حركات وزعامات تقود حروباً بعضها ضد بعض، ومذابح أخرى ضد المدنيين الأبرياء بحجج سياسية ودينية مصطنعة، كمقاومة الغزو السوفيتي والأميركي وتصدير علوم الدين، كما تراها هذه الجماعات المتطرفة فكرياً.

شاهدت في منتصف الثمانينات، مع وفد صحافي أجنبي، القصف المكثف نهاراً على العاصمة كابول، فيما يشتعل الليل بنيران القصف المتبادل في الجبال من قبل زعامات متصارعة مع بعضها وغير متفقة على هدف محدّد سوى الهدف النهاري، وهو قصف كابول!

ضحايا الحركات الإرهابية الأفغانية كان معظمهم من المدنيين (الأطفال والنساء والرجال)، الذين ضجت بهم الشوارع والمستشفيات، وكان ذلك مشهداً مؤلماً وحزيناً من نواح إنسانية ليس لها علاقة بمقاومة الجيش السوفيتي آنذاك، فقد حصدت المذابح أرواح الأبرياء الأفغان!

المشهد السياسي والمدني في أفغانستان حالياً ليس ضبابياً أو غامضاً، فملالي أفغانستان وراء استبدالها لتصبح طالبستان، مما يعني تمدّداً لفكر متطرف تدريجياً، لا يختلف عن المشروع الإيراني الثوري ونصرة المستضعفين في دول منطقة الخليج العربي، بينما هناك من سُلبت حقوقهم في داخل إيران، والسيناريو نفسه سيأتي حتماً على يد طالبستان بعد انكشاف الوجه الحقيقي للسر الشكلي في ضوء تحول طالبي العلوم إلى «ملالي» مسلحين في الإمارة الطالبانية.

إن المحطة الأفغانية الجديدة ليست بشرى استقرار وسلام للمنطقة العربية والإسلامية عموماً، فالتشدد الديني سيتلاقى حتماً مع التطرف المذهبي والحركات الإرهابية، والثمن بلا شك سيكون خليجياً وعربياً وإسلامياً.

أخفقت أميركا، كالعادة، في حساباتها بالمحافظة على مصالح الغير واستقرار المنطقة ككل، ولكن هذا الإخفاق تكرر كثيراً، ولعل ما يشهده العراق منذ 2003 يؤكد قصر النظر الأميركي استراتيجياً، الذي قاد إلى فوضى سياسية عارمة في العراق حتى اليوم.

ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي إعادة النظر في صياغة موقف خليجي موحّد إزاء محطة طالبستان الجديدة، بعيداً عن المصالح الأميركية وغيرها، فحركات الإرهاب الفكري ليس لديها صديق دائم ولا مصالح ثابتة، كما هو حال أميركا.

لعله مهم استحضار ما نشرته صحيفة «الوطن» الكويتية في 5 سبتمبر 2011 عن «برقية صادرة من السفارة الأميركية في الكويت إلى السفير الأفغاني السابق لدى البلاد عبدالرحيم كريمي، ومكالمة هاتفية من أحد مسؤولي السفارة الأميركية».

قال السفير الأفغاني إن لديه «أدلة على أن السفارة الأفغانية سلّمت عدداً كبيراً من جوازات السفر الأفغانية لعرب من جنسيات مختلفة، ممن كانوا يرغبون بالجهاد في أفغانستان، وذلك عبر السفراء الأفغان لدى الكويت الذين خدموا في الفترة بين عامي 1992 و1996 إبان فترة حكم برهان الدين رباني».

«وقدّر كريمي وفقاً لبرقية تعود لعام 2009، بثها موقع ويكيليكس مؤخراً، العدد بأنه يصل إلى 11000 جواز سفر».

إن الكويت مرشحة لأن تكون معقلاً جديداً ومسانداً لحركة طالبان المتطرفة، وبالتالي تتوسع دائرة الحركات الإرهابية وتتضرر مصالح الدولة والشعب، خصوصاً في ظل تهاون رسمي في قراءة وتحليل ما بعد قيام إمارة طالبستان.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.