.
.
.
.

جهل بالحالة المصرية

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

كان تمسك الشعب المصرى بجمال عبدالناصر، بعد هزيمة 67، والرفض الكاسح لاستقالته أو «التنحى» مربكًا لحسابات الكثيرين ونظرياتهم السياسية. الهزيمة العسكرية، عندهم، تعنى الإطاحة تلقائيًا بالنظام السياسى كله، على الأقل بالرئيس وأعوانه إن لم يكن النظام بأكمله، وهناك نماذج عديدة فى التاريخ المعاصر، معروفة لنا، بل إن بعض الهزائم تطيح بالدولة ذاتها. الدولة العثمانية زالت من الوجود نهائيًا بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، وفشلت كل محاولات إنقاذها، وكذلك استعادتها أو استنساخها، لكن فى حالة عبدالناصر، حدث العكس، حيث اكتسب هو شخصيًا، يومى 9 و10 يونيو، شرعية جديدة، مكَّنته من الإطاحة بخصومه جميعًا ومحاكمتهم، ولو أعدمهم لصفق له الشعب. أتحدث عن خصومه والحاقدين عليه من داخل نظامه، أولئك الذين أطلق عليهم تعبير «مراكز القوى»، أما خصومه من خارج النظام فكان تأثيرهم محدودًا، وكان كل المتاح لديهم الحديث فى المجالس الخاصة. الأمر ليس بالسهولة ولا بالتسطيح، الذى يتحدث به بعض بلداء الفكر من أن الشعب المصرى يصفق للديكتاتورية ويحب الجلاد طوال التاريخ، ولا مقولة بعض المرحين والمتفكهين من أنه شعب بلا كتالوج، هو شعب أذكى منهم وأكثر عمقًا. لو غادر عبدالناصر موقعه وجاء نظام جديد، فإن الهزيمة تبقى بلا مسؤول عنها، فالنظام الجديد لن يكون مسؤولًا، ومن ثَمَّ ليس مطالبًا بالتخلص منها ورَدّ الكرامة، لكن بقاء عبدالناصر جعله مطالبًا أمام الشعب بإزالة «آثار العدوان»، بالتعبير البسيط «لابد من الثأر»، أى عليه تحمل عبء الهزيمة ودفع فواتيرها، أى أن الشعب المصرى لم يمنح عبدالناصر «شيكًا مفتوحًا»، بل عودة مشروطة، وكانت الشروط واضحة ومتفقًا عليها بين الطرفين، لذا حين هبَّ المصريون سنة 68 اعتراضًا على أنه اعتمد الأحكام، التى اعتبروها مُخفَّفة، ضد القادة المهزومين، تراجع على الفور وسحب توقيعه وأمر بإعادة المحاكمة مجددًا، وقد كان.

لم يفهم المؤرخ البريطانى الكبير «برنارد لويس» تلك الحالة، الكيمياء الإنسانية والوطنية المصرية، كانت عصِيّة على فهمه وأفكاره، مثلما كانت عصِيّة على فهم أسلافه الإنجليز سنة ١٩١٩، حيث لم يدركوا وقتها معنى وسر تمسك المصريين بزعيمهم العظيم سعد زغلول، رغم النفى وكبر سنه.

لم يكن برنارد لويس متقبلًا بقاء عبدالناصر، ولكنه حاول تفهم الأمر بالذهاب إلى التاريخ، مقارنًا بين حال الشعب المصرى مع ناصر، وحال الشعب الفرنسى مع الرئيس ديجول فى سنواته الأخيرة، حيث كان الفرنسيون متخوفين من التغيير ولا يتصورون قادم أيامهم بدون ديجول، وهكذا المصريون يشعرون بالقلق الشديد. تحقيق السلام مع إسرائيل يعنى ألّا يكون عبدالناصر موجودًا، بل مختفيًا أو مخفيًا، على الأقل لا يصبح وجوده ضروريًا، أما قيام حرب شاملة مع إسرائيل فقد يقود إلى نتائج غير طيبة لهم، باختصار النصر ليس مضمونًا، لذا هم ضد التغيير. عنده أن عبدالناصر، شخصيًا، «قد يفضل حالة حرب لا تصل إلى حرب فعلية»، ولعله- هنا- كان يقيس الأمر بمعيار حرب الاستنزاف، وكانت فى ذروتها، سنة ٦٩، إنهاكًا للجيش الإسرائيلى وتأكيدًا على أن ما جرى فى ٦٧ ليس نهاية التاريخ، وربما كان بدايته، أو بداية جديدة.

وبناء على ما سمعه من أصدقائه المجهولين أو المخفيين فى القاهرة، ينطلق إلى القول بثقة شديدة ويقين تام إن مشكلة ناصر فى الوقت الحالى هى العمل على «كبح جماح» فريقين أو طرفين فى مصر؛ الأول يطالب أصحابه بقيام السلام مع إسرائيل «بشروط مصرية»، أى استعادة شبه جزيرة سيناء، والابتعاد عن العرب وقضاياهم. والثانى يتمثل فى القادة العسكريين الذين يصرون على خوض الحرب لاسترداد الكرامة والانتقام أو الثأر لما جرى لهم فى حرب يونيو ٦٧، يدخل فى هذا الفريق قادة من المدنيين والسياسيين الذين يرفضون التخلى عن القضايا العربية أو الابتعاد عن العالم العربى.

نحن هنا- بإزاء- ما يمكن أن نسميه تقعرًا ثقافيًا وسياسيًا، أو أن لويس صدق بعض مبالغات أصدقائه، الذين لا يفرقون وهو كذلك بين مشاعرهم الخاصة تجاه النظام السياسى القائم وقائده من جانب والوقائع على الأرض وفى الشارع من جانب آخر. ولا أعرف من أين استقى أن ناصر لا يريد حربًا شاملة. أسلوب التعبئة والتجنيد للمتعلمين، فضلًا عن تأسيس سلاح الدفاع الجوى، وكذلك سلاح الحرب الإلكترونية، هذه ليست مؤشرات رجل يريد عمليات صغيرة، فضلًا عن كميات الأسلحة التى طلبها من الاتحاد السوفيتى ونوعياتها، التى تشير إلى ما يريده. طلب منهم طائرات ميج ٢٣، وهى مقاتلة هجومية تتفوق وقتها على ما لدى إسرائيل من طائرات، طلب أيضًا صواريخ بعيدة المدى، هذه كلها أدوات حرب هجومية واسعة، وليست عمليات صغيرة، والمهم أن العمليات المحدودة لا يجب الاستهانة بها. نحن أغرقنا المدمرة إيلات فى عملية محدودة جدًا. مثل هذه العمليات فى جنوب لبنان دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى سحب قواتها فجأة وسرًا، دون تفاوض ودون توقيع اتفاق سلام مع لبنان.

أما الحديث عن فريقين، أحدهما يصرخ فى جموح بالسلام، فذلك قول مبالغ فيه، نعم كان هناك مَن يريدون السلام مع إسرائيل دون حرب والابتعاد عن العالم العربى، لكن كانوا مجموعات محدودة تتكلم فى مجالس خاصة وضيقة، لم يشكلوا تيارًا سياسيًا وفكريًا، بل إن بعض هؤلاء فى كتاباتهم لم يقتربوا من ذلك الأمر، كانوا أفرادًا فقط، ولم يكونوا مجموعات، بل إن خصوم ناصر، الذين استغلوا الهزيمة لمهاجمته والكيد له، تركز هجومهم على أنه لم يتمكن من سحق إسرائيل ومهاجمتها، وليس لأنه لم يبنِ سلامًا معها، ربما يكون أول تعبير علنى عن إمكانية تحقيق السلام مع إسرائيل بعد رحيل عبدالناصر، فى زمن الرئيس السادات، سنة ٧٢، فى مظاهرات الاستياء من حالة «اللاسلم واللا حرب»، كما سيرد لاحقًا.

أما الادعاء بأن قادة الجيش يضغطون ويصرون على الحرب فهذا يعكس فهمًا مغلوطًا، لدى البعض، حول علاقة القادة برئيس الدولة فى مصر، ولعل لويس- أو مَن نقل إليه ذلك- استند على ما تناقله البعض، عقب استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض، من أنه طلب يومًا من الرئيس ألا يقبل بسيناء، حتى لو عُرضت عليه كاملة بدون حرب: «سيادة الرئيس امنحنا الفرصة لرد الاعتبار»، هذا ليس أمرًا ولا حتى مطلبًا بالمعنى الدقيق، لكنها فضفضة من قائد رأى بعينه ما جرى من تآمر علينا واستهانة من البعض وربما خيانة، لكن القادة فى النهاية يلتزمون بتكليفات وقرارات القائد الأعلى، وأقسموا على ذلك، والدلائل عديدة جدًا فى حرب ٦٧ وبعدها فى حرب الاستنزاف، ثم بعد ذلك زمن الرئيس السادات وإلى يومنا هذا. حين وافق عبدالناصر على قرار وقف إطلاق النار سنة ٧٠، كانت القيادة العامة للقوات المسلحة وقوات الدفاع الجوى بحاجة إلى المزيد من الوقت لاستكمال بناء وتحريك حائط الصواريخ. الفريق محمد فوزى، وزير الحربية، صارح قائده بالأمر، ومع ذلك تم الالتزام بقرار الرئيس وجهوده الخارجية.

والحق أنه لا يمكن القول إنه كان هناك تنافس أو تصارع بين تيارين أو طرفين وإن عبدالناصر يقوم بتهدئة كل منهما، هذا لم يحدث، ودور رئيس الجمهورية ليس تهدئة «خناقة» ولا «التحجيز» بين فريقين، الواقع أن ذلك التحليل يليق بجلسة فى مقهى وسط دخان أزرق أو أسود، لا يستحق حتى دخانًا أبيض. الذين تحدثوا عن السلام وقتها انطلقوا من أننا لا نمتلك القدرة على تلك الحرب، خاصة مع الانحياز الأمريكى ضدنا، باختصار لم يكونوا على علم تفصيلى بموقفنا الحربى وقدرات مقاتلينا، فضلًا عن القلق من حجم الخسائر المتوقعة للحرب. أبرز نموذج هنا هو الراحل توفيق الحكيم، الذى طلب يوم ٨ يونيو أن نتفاهم مع العدو، حيث قال نصًا لهيكل: «مادام الحكاية كده، نقعد مع الجماعة دول»، أى مادمنا ضعفاء حربيًا إلى هذا الحد، فليكن التفاهم، لكن حين عبرت قواتنا المسلحة القناة ودمرت خط بارليف، كان الحكيم نفسه أول السعداء والمهنئين، هو صاحب تعبير «عبرنا الهزيمة»، الذى كان عنوان مقالته بـ«الأهرام»، على صفحتها الأولى، صبيحة يوم النصر.

نقلا عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.