.
.
.
.

إجراءات بناء الثقة

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

مفهوم إجراءات بناء الثقة ولد في رحم مدارس حل النزاعات والصراعات الدولية، خاصة في المراحل الأولي من المفاوضات حيث تنعدم الثقة بين الأطراف المعنية وينقصها الاستعداد لاتخاذ خطوات جريئة للانتقال من الحرب إلى السلم، ومن التناقض إلي التعاون. هنا تأتي الإجراءات التي تخفف من حدة العداء، وتعطي فائدة عملية لكل طرف، وتحسن الأجواء بشكل عام حتى يمكن إجراء مفاوضات في مسائل جوهرية. إجراءات بناء الثقة ليست بالضرورة إجراءات أو خطوات صغيرة فأحيانا ما تكون هائلة إلى الدرجة التي تقلب مناخ العلاقات والتفاوض والمساومة رأسا على عقب. زيارة الرئيس السادات للقدس ربما كانت أعظم إجراءات بناء الثقة في التاريخ، فمن وجهة النظر البروتوكولية فإنها كانت زيارة رئيس دولة إلي دولة أخري مجاورة، ولكنها سياسيا كانت تكسر حالة مزمنة من العداء والكراهية. وفي وقت من الأوقات فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي حاول أن يجعل زيارته إلى الإسماعيلية التي جاءت فيما بعد هي المقابل الموضوعي لرحلة السادات. ما حدث هو أنه لا أحد في العالم بما فيه الإسرائيليون قبل هذه المقابلة؛ أكثر من ذلك فإن موعد زيارة الرئيس السادات ولدت معسكرا كبيرا للسلام لدي الطرف الآخر، وكان في واجهته الكثير من العسكريين. إجراء بناء الثقة ليس ضروريا أن يكون خطوات بسيطة، وإنما هو على أي الأحوال ذلك الذي يجعل الأطراف أكثر استعدادا للحديث والتفاوض من زوايا أكثر تفهما لمتطلبات الطرف الآخر. في قمة القاهرة الأخيرة للرئيس السيسي مع الملك عبد الله والرئيس محمود عباس، وضع الإطار العام لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في إطار حل الدولتين الذي يقود إلي دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. مثل ذلك لن يتحقق إلا من خلال عملية تفاوضية، ربما سبقها بالفعل إجراءات لبناء الثقة حينما اجتمع الرئيس الفلسطيني بوزير الدفاع الإسرائيلي بني جانتس وانتهت إلى خطوتين عمليتين لبناء الثقة، وهما تحويل ١٥٠ مليون دولار إلي السلطة الوطنية من حصيلة الضرائب الفلسطينية، ومنح خمسة آلاف شهادة بالإقامة في القدس للمقيمين الفلسطينيين دون هوية.

جريشون باسكين الكاتب الإسرائيلي والناشط من أجل السلام اقترح مؤخرا مجموعتين من إجراءات بناء الثقة، واحدة منها يقوم بها الإسرائيليون، والثانية الفلسطينيون، ويعتقد أنهما يولدان تأثيرات إيجابية لدي الطرفين. الحزمة الإسرائيلية تبدأ بما هو واضح وتتعلق بقيام إسرائيل بتجميد بناء المستوطنات الذي لن يكون له تأثير إيجابي لدي الفلسطينيين فقط (وأضيف لهم العرب أيضا) وإنما لدي الولايات المتحدة. وثانيا إعطاء الفلسطينيين القدرة على الاستثمار في المنطقة (سي C) التي تشكل ٦٢٪ من الضفة الغربية بمشروعات عمرانية وصناعية. وثالثا تحفيز الاقتصاد الفلسطيني بتطبيق بعض من الخطط التي وضعها البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو برنامج الأمم المتحدة للتنمية، مع فتح السوق الإسرائيلية للمنتجات الفلسطينية. ورابعا إجراءات إنسانية تبدأ بتقنين أوضاع زوجات الفلسطينيين غير المقننة واللائي يبلغن ٣٠ ألف حالة، مع إعطاء السلطة الوطنية الفلسطينية الحق في إصدار هذه الشهادات التي تستخدم عند السفر والعبور لنقاط التفتيش الإسرائيلية. الحزمة الفلسطينية لبناء الثقة تقوم على تفادي الخطوات التي تدعم مناخ الصراع، وتعزز الكراهية، وأولها وقف تقديم المعونات لأسر الفلسطينيين الذين قاموا بقتل مدنيين إسرائيليين، على أساس أن قتل المدنيين الفلسطينيين من قبل الإسرائيليين مدان أيضا، وهو أمر مدان وفق جميع المرجعيات الأخلاقية. وثانيا مراجعة الكتب المدرسية بحيث تعكس رغبة واضحة للسلام مع إسرائيل. وثالثا ما يصدق على التعليم يصدق أيضا على الإعلام، فالقضية هنا ليست السردية الفلسطينية للصراع، وإنما هي عما إذا كان هذا الصراع أبديا أم أن السعي نحو السلام سوف يكون ممكنا. ورابعا تشجيع المجتمع المدني الفلسطيني على التواصل مع المجتمع المدني الإسرائيلي.

هذه الخطوات المقترحة على الجانبين فيها ما يؤخذ منه ويرد عليه، والمؤكد أن هناك اعتراضات عليها على الجانبين العربي والإسرائيلي، وفي إسرائيل فإن المتشددين يرون أنه على ضوء توازنات القوي الجارية فإنه لا يوجد ما يدعو لتقديم تنازلات كبيرة في صورة إجراءات بناء الثقة. وعلى الجانب العربي والفلسطيني فإن الدعوة جامعة على اعتبار كل اقتراب من إسرائيل هو تطبيع مكروه. هنا فإن الحوار حول الموضوع يجري تجاوزه بأن المفاوضات الآن مستحيلة بسبب الأوضاع الداخلية الفلسطينية والانقسام بين فتح وحماس، والتركيبة الحكومية الإسرائيلية الحالية والقائمة وغير القادرة على اتخاذ قرارات جوهرية؛ ومادام كان ذلك كذلك فإنه لا توجد فائدة من بناء ثقة تبقي الكراهية مستمرة. ما يفضي إليه هذا التحليل هو إبقاء الأمور على ما هي عليه، والتي تعني استمرار الاستيطان الإسرائيلي في ناحية، ونشوب حروب دورية في غزة تدمرها مرة أخري. المشكلة الأخطر هي أنه لا العالم ولا المنطقة يبقي على ما هو عليه، وفي إسرائيل فإن هناك إدراكا بتحولات جارية في الغرب (أوروبا وشمال أمريكا) تبعد عن إسرائيل وتزيد من توجهات معاداة السامية (لدي الإسرائيليين هي معاداة اليهود)، ومن ثم فإن إسرائيل بدأت في الاقتراب الحميم من الصين (تجديد ميناء حيفا) والهند (صفقات سلاح واسعة النطاق) والتفاهم مع روسيا في سوريا (التعارف بين الطائرات الروسية وتلك الإسرائيلية مع ممرات آمنة بالصمت لضرب القواعد الإيرانية)، وجميعهم لا يمانع في ذلك مع إبقاء علاقات قريبة مع العرب وحتي مع الإيرانيين. الفلسطينيون أيضا يدركون أن الإقليم العربي لم يعد كما كان، وأضيف إلي اتفاقيات السلام السابقة وتحرير أراض عربية محتلة، الاتفاقيات الإبراهيمية ومنتدي غاز شرق المتوسط. وفي دول هناك تهديدات أقرب كثيرا من إسرائيل، والدول التي اختارت الإصلاح والتنمية تعرف بالحاجة إلى إقليم مستقر تزدهر فيه الدول وتتقدم.

نقلا عن الأهرام

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.