.
.
.
.

إيران والهيمنة الطائفية في لبنان

حامد الحمود

نشر في: آخر تحديث:

لا ندعي أن حزب الله هو الوحيد المسؤول عن تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فكل الأحزاب والقوى السياسية، التي كان لها دور سياسي في حكم لبنان بعد اتفاق الطائف الذي وُقِّع في مايو 1989، أو «كلن» باللهجة اللبنانية، ساهمت بدرجات متفاوتة بهذا الوضع الذي أذل اللبنانيين وحول %55 منهم – وفقا للأمم المتحدة – إلى ما دون خط الفقر. هذا وإن كانت القوى السياسية في لبنان تنسق مع قوى خارجية، فالمشكلة مع حزب الله أنه ينفذ أوامر إيران السياسية، بحيث أصبح مستقبل لبنان ملحقا بالإستراتيجية الإيرانية في المنطقة. وعندما نتساءل عن إمكانية أن يعود لبنان الذي عرفناه، لا بد أن نوضح ما هو لبنان الذي عرفناه، وكيف نشأ لبنان الذي عرفناه؟ فلبنان الذي عرفناه ونود أن نقارن فيه لبنان الحالي هو ذلك الذي بدأ برئاسة اللواء فؤاد شهاب عام 1958، واستمر إلى رئاسة شارل الحلو، وبدأت نهايته بتقلد سليمان فرنجية الرئاسة عام 1970 وانتهى مع اشتعال الحرب الأهلية في أبريل 1975.
وفي هذا المجال، أود أن أشكر الصديق أبو فادي، الذي كان سفيرا للبنان في أكثر من دولة على تذكيري بأن اللبنانيين من جيلنا يفتقدون دولة القانون التي ساهم الرئيس فؤاد شهاب ومن بعده شارل الحلو في إرسائها. هذه الفترة التي تميزت بنجاح الدولة اللبنانية في بناء علاقات خارجية متوازنة مع جميع الدول العربية، وتمكنها من تجاوز الاستقطاب المصري السعودي، وقبله تجاوزها من الانحياز لحلف بغداد الذي فشل الرئيس كميل شمعون في تحقيقه. فهذا الجيل من اللبنانيين، الذي أصبح في السبعين من العمر أو على مشارفها، دخل المدرسة الابتدائية في حوالي 1958، ودخل الجامعة في حوالي 1970. وهذا الجيل على وعي بالحرب الأهلية «الصغيرة» في عام 1958، التي أدت إلى دخول القوات الأميركية إلى لبنان بدعوة من الرئيس كميل شمعون، وانتهت هذه الحرب بتولي اللواء فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية من 1958 إلى عام 1964، ومن ثم شارل الحلو حتى عام 1970.

ومن مفارقات هذا العصر أن الرئيس سليمان فرنجية كان قد هرب من لبنان لارتكابه جريمة قتل جماعي في كنيسة في مدينة إهدن شمالي لبنان عام 1958 إبان الحرب الأهلية الصغيرة، هو الذي تولى رئاسة لبنان في أغسطس 1970 وفي عصره اندلعت الحرب الأهلية الكبيرة. هذا وقد أرخ الروائي اللبناني جبور الدويهي - وهو نفسه من إهدن - تفاصيل جريمة الكنيسة، بأسلوب وحبكة روائية رائعة في روايته «مطر حزيران»، التي نُشرت عام 2006. هذا ومازلت أذكر عنوان مقال غسان تويني في النهار مبتهجا بفوز فرنجية بالرئاسة وبفارق صوت واحد. وعلى ما أذكر كان عنوان مقاله «ديموقراطية الصوت الواحد». حينها سمعنا بإطلاق النار في الهواء في بيروت ابتهاجا بهذا الفوز. وبعدها بأيام سمعنا بإطلاق النار في الهواء لموت جمال عبد الناصر. حينها عرفنا كمستجدين للدراسة في لبنان أن اللبنانيين يطلقون الرصاص في الهواء في الأفراح والأحزان. وحينها كان البعض يعلق أن المسلمين نفدت ذخيرتهم حزنا على عبد الناصر، والمسيحيين نفدت ذخيرتهم ابتهاجا بفوز سليمان فرنجية. وقد يرى البعض أني شططت كثيرا في الحديث عن كيف تدهور الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان؟ وكيف تمكنت إيران وحزب الله من ارتهان اللبنانيين؟ لكن في هذا المجال، أردد ما قاله الفيلسوف الدنماركي كيرغيغارد بأننا نعيش لحياة مستقبلية، لكن لا نفهم هذه الحياة دون الرجوع إلى الماضي.

ولكي نفهم الوضع السياسي الحالي في لبنان، لا نرجع إلى عام 1970 لكون سليمان فرنجية تولى الرئاسة فيها، وإنما لأنه في هذه السنة انتقلت قيادة العمل الفدائي الفلسطيني إلى لبنان، وذلك بعد مجازر أيلول في الأردن. وبدعم عربي شعبي ومساعدات من الدول العربية والاتحاد السوفيتي، ومن الطائفة السنية في لبنان بشكل رئيسي، تمكنت القيادة الفلسطينية بيسارها ووسطها من بناء بنية تحتية متكاملة لها في المخيمات الفلسطينية. وخلال سنوات قليلة أصبح لبنان مقرا لياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة وأحمد جبريل و... و...، وبعد فشل الجيش اللبناني في التحكم في نشاط العمل الفدائي الفلسطيني في أبريل عام 1973، أصبح ياسر عرفات أقوى شخصية سياسية في لبنان. وأصبح وضعه يشبه إلى حد كبير وضع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في لبنان حاليا.

في هذه الفترة، شعر المسيحيون في لبنان، والطائفة المارونية بشكل خاص، أن عليهم أن يحققوا ما فشل الجيش اللبناني في تحقيقه، أن ينتصروا أو يحدوا من نشاط الفلسطينيين. وبدأت أحزاب الكتائب والوطنيون الأحرار بالتحضير لحرب مع الفلسطينيين. فكان بعض الطلبة المنتمين لهذه الأحزاب يأخذون دورات عسكرية في لبنان وخارجها. ومن بين هؤلاء الطلبة كان سمير جعجع، طالب الطب في الجامعة الأميركية في بيروت. كانت لي معرفة شخصية ببعض طلاب كلية الهندسة في الجامعة الذين شاركوا بدورات قتالية في أوروبا.

هذا، وقد أساءت الأحزاب المسيحية اللبنانية، المارونية الصبغة، التقدير بإمكانياتها بهزيمة الفلسطينيين وحلفائهم من اليسار اللبناني، فقامت بإشعال الحرب الأهلية، بأن هاجمت حافلة تحمل فدائيين فلسطينيين في عين الرمانة في 13 أبريل 1975، ما أدخل لبنان في حرب أهلية استمرت 15 عاما، بدأت بحرب بين الأحزاب المسيحية من جهة، والتنظيمات الفلسطينية واليسار اللبناني من جهة أخرى. لكن خلال هذه الفترة، تخللتها أحداث مفصلية مهمة، منها دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 بدعم دولي لمنع انتصار الفلسطينيين واليسار اللبناني. وبعدها دخول الإسرائيليين للبنان وطردهم للقيادات الفلسطينية عام 1982، حيث انتقلت قيادتهم إلى تونس، ثم انتخاب بشير الجميل رئيسا، فاغتياله، وإلى مجازر صيدا وشاتيلا برعاية إسرائيلية وتنفيذ لبنانيين. ومن ثم دخول اللبنانيين أنفسهم حروبا داخلية بين أبناء الطائفة الواحدة. فالقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع دخلت في حرب مع الجنرال ميشيل عون. وحتى «أمل» المدعومة من سوريا دخلت في قتال مع «حزب الله» المدعوم من إيران.

وتقاتلت الطائفة السنية فيما بينها كذلك، وحتى الطائفة الدرزية لم تنجُ من النزاع. لكن ربما أن الحدث الأهم بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان 1982، الذي لم يُدرك في حينه أنه كان بداية تشكل حزب الله وتدريبه من قبل خبراء إيرانيين في البقاع في بداية الثمانينيات، وبالذات بعد دخول إسرائيل وخروجها من لبنان. ولعل الكثير يجهل أن حزب الله لم ينشأ بدعم من سوريا، إنما تأسس على الرغم من سوريا.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.