.
.
.
.

الانتخابات في ظل غياب نظام ديمقراطي سبب فشل التجربة اللبنانية

حسين عبدالحسين

نشر في: آخر تحديث:

يصنف لبنان من ضمن الدولة الفاشلة، فعلى أرضه اُقترفت كافة وجميع الأخطاء، وبعد ذلك أعادت الحكومة نفس تلك الأخطاء مرارا وتكرارا. بدءا من انهيار العملة الوطنية، إلى الانكماش الاقتصادي، إلى فضائح الفساد المتعاقبة. فمن الواضح والجلي أن من يتولى دفة القيادة ليس بالشخص المناسب. وهنا تكمن المشكلة، فبالرغم من أن اللبنانيين يعتقدون أنهم في حاجة إلى قادة جدد، لكن العديد منهم غير قادر ثقافيا على الالتزام بالقادة المناسبين، وهؤلاء يقفون حائط صد أمام باقي الشعب اللبناني التواق إلى عيش حياة طبيعية.

عندما فاجأ تحالف من مرشحي المجتمع المدني العلمانيين تحالف أحزاب أقلية النخب وحزب الله في انتخابات نقابة المهندسين، والتي أجريت في أغسطس الماضي، اعتقد الكثير بوجود أمل. وتلك النقابة هي واحدة من أكبر النقابات في البلد، وتنحصر مسؤوليتها في وضع لوائح البناء. وكانت الانتخابات عبارة عن جس نبض الشارع للانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها العام المقبل. وبعد تلك الهزيمة المؤسسية، أبصرت المعارضة بارقة أمل. ولكن لسوء الحظ، فمن غير المرجح أن يتم إنقاذ البلد من خلال صندوق الاقتراع.

وأساس المشاكل والصعاب التي يواجها لبنان هو ذلك النظام السياسي العتيق الذي يجعل من التغيير مستحيلا. فعلى الرغم من أن الشعب اللبناني يمارس حقه في التصويت منذ زمن بعيد، إلا أن البلد لا يملك نظاما ديمقراطيا فعليا. لكي تكون لديك ديمقراطية، فأنت بحاجة إلى أمة. ولا توجد أمة موحدة في لبنان، بل اتحاد قبائل، وكل قبيلة تسعى وراء مصالحها الشخصية.
وفي الجانب الآخر، لا يزال المسيحيون يحملون شيئا من الضغينة تجاه الفتوحات الإسلامية في القرن السابع، ويلومون المسلمين على تدمير الحضارة الفينيقية المزدهرة ثم صبغها بالصبغة العربية والإسلامية. ولا يزال العديد من المسيحيين اللبنانيين يحملون العداء تجاه الثقافة العربية. وقد ارتبط لبنان بأوروبا الغربية منذ ميلادها في عام 1920، وخاصة فرنسا. وفي الأوساط المسيحية اللبنانية، يُنظر إلى من يتحدث الفرنسية على أنه لبناني “أصيل” وليس إلى من يتحدث العربية. ولا يشعر هؤلاء بأي حرج من الحقبة الاستعمارية.على سبيل المثال ستقوم جماعة الشيعة بالتصويت لأي شيعي على حساب أي سني كفؤ لأن الشيعة يلومون أمويي دمشق، الذين يُعتقد أنهم ينتمون إلى جماعة السنة، ويلومونهم لما حصل في معركة كربلاء عام 680، والتي قُتل خلالها إمامهم الثالث الحسين.

إن الشرف القبلي والأحقاد المتراكمة منذ قرون مضت، يحددان لمن يصوت العديد من اللبنانيين. حتى اللبنانيون العلمانيون وغير الطائفيين أدلوا بأصواتهم نكاية بحزب الله وأحزاب الأقليات، وليس لصالح سياسات داخلية أو خارجية محددة.

والتحدي الذي أجهض حركتين لبنانيتين سعتا من أجل التغيير، هو النظر إلى العالم المحيط من منظور الشرف القبلي، بدلا من التفكير في مصالح ملموسة وقابلة للقياس.

في عام 2005، نزلت أكثرية كاسحة إلى الشوارع وأجبرت سوريا على سحب قواتها من لبنان. وكانوا على وشك فرض استقالة الرئيس إميل لحود، الذي أصبح في ذلك الوقت الورقة التي تحمي ميليشيا حزب الله المسلحة والتي فقدت دستوريتها. لكن البطريرك الماروني الراحل نصرالله صفير، أحد أكبر مؤيدي انتفاضة 2005، عارض إجبار لحود الماروني على الاستقالة، خوفا من أن تحمل سابقة مثل هذه أخبارا سيئة للموارنة. ولم يستطع نصرالله صفير رؤية الصورة الكلية أو الغابة اللبنانية، بل ركز على الشجرة المارونية فقط.
إن اللبنانيين غير قادرين على رؤية الصورة كاملة، وهم يركزون بدلا من ذلك على مصالحهم القبلية والطائفية، ومن الخطأ اعتبار تلك المصالح هي المصالح الحقيقية. وفي ظل النظام اللبناني البيزنطي الشهير للسياسة الطائفية، فإن منصب الرئاسة مخصص لماروني، ومنصب رئيس الوزراء لشخص سني وما إلى ذلك. فكيف لنظام كهذا أن يكون ديمقراطيا؟وفي عام 2019، أخذ بشارة الراعي وهو خليفة نصرالله صفير، الملتزم بسياسة الحياد الإقليمية اللبنانية المعقولة، نفس الموقف تجاه متظاهري الصيف الماضي عندما طالبوا باستقالة الرئيس الماروني ميشال عون.

لإصلاح البلد، على اللبنانيين مراجعة علاقاتهم الاجتماعية والدستور وإعادة كتابة الدستور بطريقة تربط الدولة بمواطنيها، بصورة فردية، بدلا من الترتيب الحالي الذي يربط الدولة بالوسطاء الطائفيين.

والشعبوية والطوائف ليست حصرا على لبنان فقط. ففي أميركا، يتمتع كل من دونالد ترامب وزعماء حركة “الاستيقاظ” اليسارية بالكثير من الأتباع المتفانين. ومع ذلك، فإن الفارق بين الولايات المتحدة ولبنان هو أن أتباع ترامب المتفانين يشكلون ثلث الجمهوريين، وهم بدورهم أقل من نصف السكان، ويشكل الجيل المستيقظ جزءا صغيرا من الناخبين الأميركيين، لكن الناخبين القبليين في لبنان هم الأغلبية. وطالما أن غالبية الناخبين يأخذون الأوامر من زعماء عشائرهم بدلا من مساءلتهم، فلن يتغير لبنان.

سيبقى لبنان دولة فاشلة إلى أن تحصل على أغلبية تدرك أن المسؤولين المنتخبين يجب أن يعملوا للشعب، وأن السياسة مرتبطة بمصالح الأمة بأكملها، وليست مرتبطة بشرف مجموعة أو طائفة. لكن يبدو أن طريق التغيير والإصلاح لا يزال طويلا جدا.

نقلا عن العرب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.