.
.
.
.

الإرهاب في فرنسا: تهديد دائم وحلول صعبة

أحمد نظيف

نشر في: آخر تحديث:

لا يكاد الجدل والنقاش العام في الإرهاب والجهادية في فرنسا يختفيان حتى يعاودا الظهور. مناسبة العودة هذه المرة، كانت انطلاق محاكمة القرن في باريس للمتهمين في اعتداءات 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 أمام محكمة جنايات باريس. وتشير التقديرات إلى أن المحاكمة ستستمر تسعة أشهر، وتطاول عشرين متهماً، بمن فيهم الفرنسي المغربي الأصل صلاح عبدالسلام، وهو الوحيد من بين الأعضاء العشرة في الكوماندوس الذين ما زالوا على قيد الحياة. بعد ست سنوات على هذا الحدث الكبير والدموي، حاول الخبير ومؤسس معهد مونتني، أحد أبرز مراكز التفكير الفرنسية، حكيم القروي، الإجابة عن سؤال: ما هي حالة الخطر الجهادي في فرنسا اليوم؟

يحاول القروي في ورقته البحثية الرصينة، استناداً الى جرد واسع ودقيق لبيانات المئات من المصنفين على لوائح الإرهاب الفرنسية، تحليل المسارات المستقبلية المحتملة للخطر الإرهابي داخلياً. لم تشهد فرنسا هجوماً إرهابياً واسع النطاق منذ هجمات تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 في باريس وهجوم 14 تموز (يوليو) 2016 في نيس، لكن التهديد يظل حقيقياً للغاية. بالإضافة إلى العدد الكبير من الهجمات المعزولة منذ عام 2015، تقدر الاستخبارات عدد الأفراد الذين تم تحديدهم على أنهم إرهابيون جهاديون بـ 1300. يشمل هذا الرقم 500 فرد محتجزين في السجن لارتكابهم أعمالاً إرهابية و800 فرد مسجونين أيضاً حددتهم أجهزة الاستخبارات بأنهم متطرفون وبالتالي من المحتمل أن يتخذوا مسارات نشطة مستقبلاً ويرتكبوا هجوماً إرهابياً. معظمهم من الشباب الفرنسي من الجيل الثاني المغاربي ويعيشون في الأحياء الفقيرة في المدن الكبيرة، ومعظمهم لديهم بالفعل ماضٍ عنيف.

إذا تميز الجهاديون بتنفيذ أعمال عنف، فإنهم يتميزون أيضاً بالرغبة في الانضمام إلى مشروع إرهابي، مثل تنظيم "داعش" بين عامي 2014 و2019. واضافة إلى الـ1300 شخص الذين تم تصنيفهم "إرهابيين ومتطرفين" من إدارة السجون، هناك أيضاً عشرة آلاف فرد مدرجين في الفئة (S)، أي أكثر من عشر مرات قبل عشر سنوات. لذلك فإن الحشد الجهادي في فرنسا نشط للغاية ولا يزال التهديد الإرهابي قائماً. لكن ما هو الشكل الذي ستتخذه الجهادية في عشرينات القرن الحالي؟

يطرح حكيم القروي ثلاثة سيناريوات لتطور النشاط الإرهابي مستقبلاً. بادئ ذي بدء، حتى لو لم يكن هناك شيء ملموس يسمح بتأكيد هذه الفرضية، فمن الممكن أن يكون الجهاد "موضة". لا شك في أن الحرب الأهلية السورية التي بدأت عام 2011 شجعت الشباب الفرنسي الراديكالي على حمل السلاح وأقنعت جيلاً كان يستعد لأعمال عنف في أوروبا. عندئذٍ ستكون الجهادية رد فعل دورياً على الحرب الأهلية السورية وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط نتيجة الربيع العربي، الذي يحافظ على تأثير جماعي. في الواقع، يرتبط التهديد الجهادي ارتباطاً وثيقاً بظاهرة زعزعة استقرار الدولة. في أفغانستان والعراق وسوريا، أدى إنهيار الدولة إلى نشوب حرب عصابات بل وحتى حروب أهلية، وهي خروق سمحت بتكوين منظمات إرهابية. ثم جذبت هذه المنظمات الأجانب إليها: أولاً الشباب من شمال أفريقيا والخليج والشرق الأوسط في أفغانستان بين 1979 و 1989، ثم مع تطور "القاعدة"، وبخاصة تنظيم "داعش"، الأوروبيين، الأميركيين، والروس... في الوقت الحالي، لا يمكن رؤية أي زعزعة جغرافية سياسية كبيرة تؤدي إلى فتح جبهة إرهابية. لا ينبغي أن يكون سقوط كابول إيذاناً ببدء عهد جديد للإرهاب الدولي، حركة "طالبان" هي عدوة تنظيم "داعش" في أفغانستان، وقد فهم "داعش" جيداً أنه سيتم طرده من أفغانستان مرة أخرى إذا بدأ حماية المنظمات الإرهابية مرة أخرى. من هذا المنظور، فإن الهدوء النسبي الحالي لا يعكس انخفاضاً في غضب الجيل الثاني من المسلمين الباحثين عن الهوية. لم يوّلد سياق عامي 2019 و 2020 بالفعل دوامة عنيفة. علاوة على ذلك، تفتقر الجهادية إلى شخصية كاريزمية قادرة على تجسيد العمل المنظم والجمع بين الأفراد المتطرفين.

ومع ذلك، يمكن أن تكون أوروبا مرة أخرى مسرحاً للصراع في غياب مسرح أجنبي ومع وجود جهاديين محتملين في الدول الأوروبية. قد يتخذ شكل الجهاد العنيف الذي يهدف إلى استمرار الهجمات المستهدفة ضد ممثلي الشرطة، والمدرسين الذين يدافعون عن العلمانية، والأفراد من اليهود أو المسيحيين. وبالنظر إلى العدد الكبير بشكل خاص من الأفراد المتطرفين في فرنسا، يمكن أن تتحول بؤرة الجهاد الأوروبي، إذ إن عدد الجهاديين في فرنسا يزيد بثلاث إلى أربع مرات مقارنة بألمانيا أو بريطانيا.

يمكن تفسير هذا التفرد الفرنسي من خلال نموذج تكامل شديد المتطلبات. في الواقع، لكي يكون الفرد في فرنسا مندمجاً بشكل كامل في المجتمع الفرنسي، يجب أن يمر بفترة استراحة أنثروبولوجية، وأن يتخلى عن عاداته وطرق تفكيره الخاصة لتبني عادات فرنسا. تمكنت غالبية الفرنسيين من الجيل الثاني من أصل شمال أفريقي من الاندماج، لكن أقلية تشعر بالرفض أو رفض النموذج الفرنسي الذي لا يمنحهم كما يقولون، مساحة كافية. وهذا ما حدده حكيم القروي في عام 2016 في كتابه "الإسلام الفرنسي ممكن" اذ تكشف الأرقام عن أن 28 في المئة من المسلمين في فرنسا وأكثر من 40 في المئة ممن تقل أعمارهم عن 25 سنة يمارسون الإسلام الموسوم بأنه "انفصالي". إنهم يواجهون أزمة هوية، والإسلام الراديكالي يصبح بالنسبة اليهم مشروع حياة، وهوية، وأكثر من كونه ديناً.

ويطرح القروي حلولاً في في مواجهة التهديد الجهادي، جوهرها ضمان أن يشعر الشباب الفرنسي المسلم من الجيل الثاني بالاندماج الكامل في أمتهم، فلئن كانت سياسات الزجر الأمني ضرورية ولكنها ليست كافية، لذلك من الضروري استهداف المناطق التي يأتي منها هؤلاء من خلال وضع سياسات وقائية هناك، على مستوى التنمية ومن خلال خلق إجماع جديد على الإسلام يتوافق مع الهوية الجمهورية الفرنسية، عبر إثارة نقاش لاهوتي نقدي، بخاصة في صفوف المتطرفين لإثارة الشك بينهم ولتحقيق ذلك، يجب إنشاء علاقة ثقة، من خلال خطوات عملية مثل تعليم اللغة العربية، وطرح تأويلات تنويرية للقرآن الكريم والأحاديث. وإن بدت وظيفة طويلة وحساسة، مع فرص متفاوتة للنجاح. لكنها عمل أساسي، وفقاً للوصفة التي يطرحها القروي لعلاج مرض الجهادية.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.