.
.
.
.

العراق ما بعد الانتخابات القادمة

فراس ناجي

نشر في: آخر تحديث:

مع إقتراب موعد الانتخابات العراقية "المبكرة" في الشهر القادم وزيادة حرارة التنافس بين الأحزاب السياسية وصخب حملاتها الانتخابية، يبدو أن الانتخابات ستجري بمشاركة قوى سياسية تمثل الى حد ما طيفاً واسعاً من القوى المؤثرة في المشهد السياسي العراقي الحالي، ولو بمعدلات مشاركة منخفضة بتأثير المقاطعة.

فما الذي يعنيه هذا بالنسبة الى عملية التغيير السياسي التي سعت اليها ثورة تشرين وهيأت لها الأرضية عبر تضحيات شهدائها وجرحاها والحشود الكبيرة التي دعمتها وآمنت بها كثورة فكرية احتجاجية تعمل على انجاز نقلة حقيقية باتجاه دولة المواطنة السيادية والضامنة لكرامة الانسان العراقي؟

النقطة الأهم في المشهد السياسي الحالي هو تصدي ناشطي ثورة تشرين لتحديات الاستحقاق الانتخابي بصورة مسؤولة، فأسسوا أحزاباً بدأت تتبنى عملية التغيير المطلوبة بخطاب جديد ورؤية سياسية تزداد نضوجاً إذ أضحت تطرح نفسها كبديل حقيقي لأحزاب السلطة الطائفية التي تسعى لإعادة تسويق نفسها بواجهة وطنية ومدنية. فالمؤتمر التأسيسي لحزب "البيت الوطني" – الذي يقاطع الانتخابات – كان لافتاً، ليس بإجراءاته الديمقراطية وبتمثيله للشباب والطلاب والنساء فحسب، وانما أيضاً بطرحه لمشروع سياسي بديل لنظام المحاصصة المكوناتية الفاشل الحالي، يستند على ان المجتمع العراقي بطيفه المتنوع يمكن أن يشكل أمة سياسية واحدة بهوية وطنية جامعة على أساس المواطنة المتساوية. كما طرح رؤية سياسية تتضمن حياد العراق وتفعيل السلطة القضائية لضمان تنفيذ القوانين وتحقيق الفصل المطلوب بين السلطات، مع التركيز على اللامركزية الإدارية، والتربية والتعليم، والسيطرة على الأجهزة الأمنية كآليات لتعزيز التجربة الديمقراطية وحماية حقوق المواطنين. وكذلك طرحت حركة "امتداد" – المشاركة في الانتخابات – مشروعها الوطني عبر "وثيقة الشرف" لمرشحيها في الانتخابات والذي تضمنت مواد لافتة مثل تغيير شكل النظام الى شبه رئاسي عبر انتخاب مباشر للرئيس، وإلغاء مجالس المحافظات والاقضية والنواحي للحد من الفساد وهدر المال العام، بالإضافة الى التزامات أخرى مثل مكافحة الفساد والمحاصصة السياسية ومحاكمة قتلة المتظاهرين.

من المحتمل جداً أن تؤدي نتائج الانتخابات الى فوز تحالف سياسي من القوى التقليدية عبر الحصول على الأغلبية في البرلمان وتمرير حكومتها بدون المس بآلية وهيكلية النظام السياسي الحالي. وفي المقابل من المحتمل أيضاً أن تحصل القوى التشرينية المشاركة في الانتخابات - على تنوعها - على عدد من المقاعد يؤهلها للقيام بدور معارضة سياسية فعالة من داخل البرلمان. وفي حالة تحقق مثل هذا السيناريو، فما هي الخيارات الممكنة والستراتيجيات الفعالة للقوى الوطنية بحيث تكون الحقبة القادمة هي الرافعة الحقيقية لتغيير المشهد السياسي في العراق والتمهيد لانتصار القوى المؤمنة برؤية ثورة تشرين في الانتخابات ما بعد القادمة؟

أعتقد أن هناك اليوم أغلبية شعبية ترى أن عدم استقرار النظام السياسي في العراق وما يتضمنه من تصاعد في عدم الثقة بمؤسسات الدولة السياسية والخدمية والقصور في السيادتين الداخلية والخارجية وما يرافق ذلك من مشاكل اقتصادية واجتماعية حادة، يعود كل ذلك الى طغيان مفاهيم مغلوطة مثل تسييس الهويات والتوافقية المكوناتية والمحاصصة الحزبية في تقاسم الدولة ومؤسساتها وإدارة دخلها الريعي. لذلك يتعين ومن الآن التحضير لمرحلة ما بعد الانتخابات عبر العمل على تنضيج سياسات وستراتيجيات المعالجة والحلول ضمن الرؤية البديلة التي حددتها القوى السياسية الناشئة لثورة تشرين والتي تتضمن نواة جيدة يمكن البناء عليها وتطويرها.

فهدف الوحدة السياسية للأمة العراقية المتنوعة بهوية وطنية جامعة ومفهوم المواطنة المتساوية ينبغي دعمه بستراتيجية واضحة حول كيفية تحقيق هذا الهدف، خاصة وأن فئات المجتمع العراقي الرئيسية لا تزال منقسمة سياسياً وحزبياً على أسس مكوناتية بصورة كبيرة، ولا توجد كتلة سياسية متجانسة بأغلبية برلمانية يمكن أن تفرض رؤيتها على طريقة تشكيل الحكومة وتحديد سياستها التنفيذية، في حين أن خيار الوزراء التكنوقراط أصبح مستهلكاً ولا يحوز على ثقة الناس. لذلك فالستراتيجية المعقولة للتعامل مع هذا الأمر هي عبر تنضيج مشروع تغيير شكل النظام السياسي إلى شبه رئاسي برئيس منتخب بصورة مباشرة وبصلاحيات واسعة على حساب سلطة البرلمان بما يعمل على تجاوز المحاصصة وتأثير الأحزاب على السلطة التنفيذية، إذ يمكن أن يمثل النظام السياسي الفرنسي أنموذجاً يستحق الدراسة في هذا النطاق.

وفي الواقع فإن النظام السياسي في العراق برمته يحتاج الى المراجعة والتعديل لتشكيل نظام سياسي فيدرالي تتكامل وتتناغم فيه السلطة المركزية مع سلطات المحافظات والأقاليم مع ضمان فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، خصوصاً عند الأخذ بالحسبان معضلات وتحديات تجربة إقليم كردستان مع الحكومة الاتحادية وعدم نضوج التجربة اللامركزية لبقية المحافظات مع تغول سلطة البرلمان على السلطة التنفيذية منذ 2003. كذلك لابد من استمرار العمل الدؤوب لتشكيل حركات سياسية عابرة للمناطقية والانقسامات الاثنية والطائفية تعمل على تأسيس رؤية مشتركة من أجل تحقيق المصلحة الوطنية حول القضايا الخلافية بين المركز والاقليم والمحافظات.

أما بالنسبة الى هدف النأي بالعراق عن النزاعات الدولية والإقليمية عبر عدم انحياز الدولة العراقية الى أي من المحاور المتنازعة، فينبغي دعم هذا الهدف بسياسات واضحة داخلية وخارجية تعمل على تحصين سيادة العراق الداخلية من جهة وردع التجاوزات على سيادته من القوى الخارجية المتصاحب مع التكامل الاقتصادي والاجتماعي مع دول الجوار من جهة أخرى. ولا شك إن الوضع الحالي في العراق فيه خروقات كبيرة في السيادة الداخلية بما يبرر التدخل الخارجي، مثل وجود قوات حزب العمال الكردستاني، ومشاركة فصائل مسلحة عراقية في النزاع في سوريا، بالإضافة الى الولاء غير القانوني لقوى سياسية متعددة مع القوى الخارجية، ما يتطلب سياسة واضحة في كيفية معالجة هذه التحديات. كما ينبغي العمل على تفعيل توظيف موارد العراق الاقتصادية والبشرية بما يخدم مصلحة الشعب العراقي عبر إنجاز المشاريع الستراتيجية والتكاملية مع دول الجوار في مجالات الطاقة والنقل والسياحة والاستثمار المشترك.

لكن يبقى هدف تعزيز سيادة الدولة الداخلية عبر فرض تنفيذ القوانين من أهم أولويات الرؤية الوطنية البديلة والذي بإمكانه انجاز عدة غايات مهمة مثل حفظ الأمن وردع السلاح المنفلت ومكافحة الفساد وحماية الحريات وتقوية مؤسسات الدولة التنفيذية. وهذا يستوجب إجراء إصلاحات تشريعية بالتعاون مع نقابة المحامين عبر تفعيل منصب رئيس الادعاء العام في حماية المجتمع من جهة، وتشديد عقوبات الفساد الإداري والسلاح المنفلت وانتهاك حقوق المواطنين من جهة أخرى. فمن واجبات الادعاء العام حسب القوانين النافذة حماية نظام الدولة وأمنها والحفاظ على اموال الدولة والقطاع العام ودعم النظام الديمقراطي الاتحادي مع العمل على الكشف السريع عن الأفعال الاجرامية ومراقبة تنفيذ الاحكام والعقوبات وفق القانون. ولهذا يتوجب عد قضايا الفساد الإداري والسلاح المنفلت وانتهاك حقوق المواطنين من الجرائم التي تهدد المصالح العليا للشعب وتحديد عقوبات رادعة لمرتكبيها، ومن ثم ادامة الضغط على الحكومة ومجلس القضاء الأعلى من أجل توفير المستلزمات المطلوبة في الكشف السريع عن هكذا أفعال إجرامية والعمل على سرعة حسم قضاياها وفرض تنفيذ احكام العقوبات. ولا يخفى على الجميع التطبيق الانتقائي في الوقت الحالي لفرض تنفيذ القوانين على مرتكبي جرائم الفساد الإداري والسلاح المنفلت وانتهاك حقوق المواطنين والعقوبات المتساهلة التي تنالهم وعدم متابعة تنفيذ هذه العقوبات على كثير من المدانين من أصحاب النفوذ.

وفي النهاية فإن الانتخابات القادمة هي محطة مهمة في مسيرة ثورة تشرين التي أجبرت عبر شعاري "نريد وطن" و"نازل اخذ حقي" وبحشودها وشهدائها وجرحاها، القوى الحاكمة على اقالة حكومتهم وتنظيم انتخابات قبل موعدها بنظام مُحسّن الى حد ما. واليوم تُستلهمْ هذه التضحيات والشعارات في تكوين رؤية سياسية وطنية بديلة لنظام منحرف أدى فشله المدوي الى كوارث هائلة على مجموع العراقيين، وما الانتخابات القادمة الا استحقاق يجب استثماره لإنضاج هذه الرؤية وتطويرها عبر برنامج وطني يتضمن ستراتيجيات وسياسات خلاقة وواقعية. لكن هكذا برنامج وطني لا يمكن إنجازه بدون وضوح في المحتوى وجلاء في المواقف مع العمل السياسي المعارض الدؤوب داخل البرلمان وخارجه بصورة منسقة ومتكاملة. فالقوى الوطنية داخل البرلمان يمكن أن تنشط في لجانه وفي اجتماعاته لتشريع وتفعيل سياسات البرنامج الوطني وكشف زيف شعارات القوى السياسية التقليدية، بينما تعمل القوى الوطنية خارج البرلمان على ترويج هذه السياسات وتوفير الدعم السياسي والشعبي لها مع الضغط المجتمعي على منظومة الحكم لتحقيق التغيير المطلوب. عندئذ يمكن للحقبة القادمة أن تكون حقاً مرحلة فارقة في مسيرة التغيير نحو دولة المواطنة السيادية التي يطمح اليها العراقيون.

لهذا ينبغي على القوى الوطنية أن تتوقف عن الجدال حول جدوى المقاطعة أو المشاركة في الانتخابات، والعمل بتكاتف بدلاً عن ذلك لبناء الجسور بينهم نحو إنضاج وتطوير رؤيتهم المشتركة وتفاصيل برنامجهم الوطني وترويجه بين الجماهير.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.