.
.
.
.

يمنعها حياء السياسة!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

ما أبعد المسافة بين رجل غادر الدنيا أول الأسبوع على الشاطئ الجنوبى من البحر المتوسط، وبين امرأة سترحل عن السلطة بعد غد على الشاطئ الآخر من البحر!.

رحل الرئيس الجزائرى عبد العزيز بوتفليقة بعد عامين قضاهما خارج السلطة، وقد عاش خلالهما وحيدًا لا يرى أحدًا ولا يراه أحد سوى شقيقته زهور التى كانت بجواره إلى اللحظة الأخيرة!... وهو فى الحقيقة رحل عن الحياة نفسها يوم جرى إبعاده عن الكرسى فى إبريل ٢٠١٩، قبل أن يغادر جسده دنيانا السبت الماضى.. لقد مات فى ٢٠١٩ ولكنه دُفن فى ٢٠٢١، لأن ابتعاده عن الكرسى لم يكن برغبته، ولم يكن إلا لأن الحشود خرجت فى الشوارع ترفض ترشحه من جديد فى سباق الرئاسة فلم يملك إلا أن يرضخ!.

وفى صباح الأحد ستجرى الانتخابات البرلمانية الجديدة فى ألمانيا، وسيكون إجراؤها إسدالًا للستار على وجود المستشارة أنجيلا ميركيل فى دار المستشارية.. فهى لم تشأ أن تدخل السباق من جديد رغم أن الدستور فى بلادها لا يمنعها، ولكن منعها الحياء السياسى إذا جاز التعبير!.

ورغم أنها قضت ١٦ عامًا على رأس ألمانيا، إلا أن الناخب الألمانى تمنى لو أنها رشحت نفسها فى انتخابات الأحد، لولا أنها كانت قد قررت الابتعاد، ولولا أنها قد اعتبرت سنواتها الأربع الأخيرة أشبه ما تكون بمباراة الاعتزال فى حياة لاعب كرة يعرف متى يغادر الملعب!.

لقد عاشت سنوات الحكم التى اقتربت من العشرين عامًا أقرب إلى الملكة المُتوجة على أوروبا كلها، لا على بلاد الألمان وحدها، وعندما قررت الرحيل من تلقاء نفسها، فإن القارة العجوز بدت كأنها قارة يتيمة تبحث عن رجل يملأ مكانها فلا تكاد تجده فى أى اتجاه!.

ولو أن بوتفليقة تصرف كما تصرفت ميركل، لكان قد رحل بطريقة أخرى، ولكان قد احتفظ بما يذكره له مواطنوه خلال سنواته الأولى على رأس الجزائر، حين اشتهر بأنه رجل المصالحة، وحين أنقذ البلاد من دوامة العنف فى أعقاب عشرية التسعينات الشهيرة التى أرهقت البلد!.. ولكنه أبى إلا أن يتشبث بمقعده إلى أن غادره مضطرًا تحت وطأة نداءات الرفض التى كانت تضرب أسماعه فى عرض الشارع!.

كلاهما رحل لأن المستشارة صارت فى حكم الراحلة.. ولكن ما أبعد المسافة بينهما، وما أروع أن تبتعد وهى قادرة على الحكم، وما أسوأ أن يقاوم الابتعاد وهو عاجز حتى عن الحركة!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.