.
.
.
.

ماكرون ومالك الحزين والصهاريج

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

رغم الطابع الاحتفائي بنجيب ميقاتي رئيساً للحكومة اللبنانية في قصر الإليزيه، فقد بدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي سبق وهنّأ نفسه على تشكيل الحكومة، بدا في سياق كلمته وهو يذكّر بجهوده ودور فرنسا من اللحظة الأولى لانفجار مرفأ بيروت وكأنه يسير على درب جلجلة ما، وبدت مرارة "الخيانة الجماعية" التي كرّر تعرضه لها من المسؤولين في بيروت، تغلّف مشهدية احتفائه بمنجزه نجيب ميقاتي الذي تمّ استيلاده وحكومته بالشراكة مع نظيره الإيراني إبراهيم رئيسي.

وإلى الإحباط الذي يلفّ فرنسا جرّاء ركلة الجزاء التي سدّدتها الترويكا الأوسترالية الأميركية البريطانية وبأسلوب مهين للمجتمع والمجمّع الصناعي العسكري الفرنسي على خلفية صفقة الغوّاصات النووية التي تريد أستراليا الدولة غير النووية امتلاكها في سياق المواجهة الأميركية الباردة مع الصين، فقد ضخّم ماكرون احتفاءه بميقاتي ورفعه إلى مستوى الانتصار الذي تحتاجه ماكينة الدعاية الماكرونية كسلعة لاستثماره في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وفيما ربط رئيس فرنسا تقديم المساعدات وحشد الدعم الدولي للبنان بتنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد والحوكمة في قطاعات الكهرباء والطاقة والمالية والنظام المصرفي، فضلاً عن إجراء الانتخابات في موعدها، ودعم التحقيق في انفجار مرفأ بيروت (حيث غاب التهديد ضد المحقق العدلي فادي بيطار من المسؤول في حزب الله وفيق صفا عن محادثات الإليزيه)، فقد سمع ماكرون من ضيفه اللبناني تأكيده على الشروع في تطبيقها بوصفها الطريق للخروج من جهنم. لكنّها الإصلاحات إيّاها، التي سبق وتعهدت المنظومة اللبنانية إيّاها أيضاً، بتنفيذها عشية وغداة "مؤتمر سدر" والذي بقيت ملياراته الأحد عشر في خزائن وصناديق المقرضين والمانحين.

وأمام منصّة الإليزيه التي كانت معقودة اللواء لبنانياً لرفيق الحريري ومن ثم لوريثه سعد الحريري، لم يكن نجيب ميقاتي مثل "مالك الحزين" كما وصفه رئيس كتلة نواب حزب الله محمد رعد أثناء جلسة الثقة بالحكومة الميقاتية تعليقاً على قوله لشبكة CNN "أنا حزين على انتهاك صهاريج المازوت الإيرانية لسيادة لبنان". وفي جلسة الثقة التي اختتمها رعد حزب الله بكلمة كانت أشبه بصلية صاروخية تحدّد بوضوح البيان الوزاري لدولة حزب الله في لبنان، وبدت قذيفة مالك الحزين التي قصف بها جبهة ميقاتي قبل أن يمنحه الثقة أشبه بضبط إيقاع استباقي لميقاتي حتى لا يُلاقي المصير الذي سبق ولاقاه هو وأسلافه.

حكومة ميقاتي الثالثة كما بات معلوماً هي نتاج "المبادرة الماكريسية" لصاحبيها إيمانويل ماكرون وإبراهيم رئيسي، وليست نتاج المبادرة الفرنسية بنسختيها الأولى والمعدّلة. ويومها قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي "بذل الجهود والمساعي من جانب إيران وفرنسا وحزب الله من أجل تأليف حكومة لبنانية قوية، يمكن أن يكون لمصلحة لبنان"، ويومها تواطأ كثيرون قصداً أو سهواً على تغييب مقاصد رئيسي في تظهيره حزب الله كندّ متكافئ مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بلبنان. وبدت احتفالية الإليزيه بميقاتي متواطئة مع هذا التغييب. لكن من بين ما قصده رئيسي بالضبط، هو الذي تسبّب لرئيس الحكومة الماكريسية بالحزن بسبب شحنات الوقود الإيرانية التي تنتهك سيادة لبنان. وهو نفسه ما تقصّد البطريريك الماروني بشارة الراعي اعتباره ومن منبر القصر الجمهوري "انتقاصاً لسيادة لبنان".

ما يطلبه المجتمع الدولي من الحكومة اللبنانية كالإصلاحات ومكافحة الفساد والحوكمة والانتخابات وخلافه، لا أحد يطلبه من حزب الله الذي بدت وتيرة اندفاعات صهاريجه في انتشارها عمودياً وأفقياً من قمم الضنية وعكار وبشري فضلاً عن الكورة والبترون إلى طرابلس والمنية ساحلاً وهي تملأ خزانات البيئات الرافضة لكل ما يمت لإيران وذراعها اللبنانية الضاربة بصلة. وبدت صهاريج حزب الله وهي تجوب المناطق المقفلة بوجهه لأسابيع مضت، أشبه بكاسحة ألغام نفسية لاسيّما أنه بعد نجاح طلائع صهاريجه في اختراق هذه البيئات، يتجه ولمزيد من الاختراق إلى تسيير قوافل مساعدات غذائية بدأت تعبر الحدود السورية اللبنانية المفتوحة والمشرّعة بعيداً عن الدولة، وتشير معلومات متداولة شعبياً أن الحزب بصدد تزويد أهالي القرى الجبلية المثلجة والباردة شتاء بالمازوت لزوم التدفئة مجاناً.

وبحسب تقارير إعلامية من نيويورك قال مسؤول إيراني "إنّنا سنستمر في تزويد لبنان بالوقود ما بقي اللبنانيون بحاجة إليه"، وإنّ "إيران حاضرة لبناء محطتين لتزويد لبنان بحاجته من الطاقة الكهربائية". هذا الكلام الإيراني غير المشروط، مقارنة بالشروط الفرنسية والدولية لمساعدة لبنان، يبيّن حجم التنافس على ضمان وحجم النفوذ والسيطرة التي تستوجبها شركات التنقيب عن النفط والغاز اللبناني بحراً وبراً، ولمحاولة القوطبة على استجرار الغاز المصري عبر الأردن وسوريا. ما يستدعي التوقف مليّاً أمام الكلام عن مفاوضات حول ترسيم المثلث الحدودي اللبناني السوري الإسرائيلي انطلاقاً من مزارع شبعا وجوارها توازياً مع مفاوضات ترسيم الحدود البحرية وتعديل المرسوم 6433 الذي يتمنّع الرئيس ميشال عون حتى الآن عن توقيعه خلافاً لمطلب الوفد اللبناني المفاوض.

وبالكلام عن الترسيم يتضح أن توازن النفوذ والسيطرة في المنطقة جرّاء التحوّلات الإقليمية والدولية قد انعكست في تغيير موازين القوى اللبنانية لمصلحة حزب الله، وبهذا المعنى فقد بات لبنان ضمن معادلة الماكريسية التي سيُستكمل تظهيرها ربطاً بالتطورات التي تتحدث عن انسحاب أميركي من سوريا والعراق، في إطار تفاهم أوسع مع روسيا يشمل ترسيم مناطق النفوذ وتوزيعها بين القوى الإقليمية الكبرى.

بهذا المعنى يمكن قراءة أن تكون زيارة رئيس الحكومة اللبنانية الخارجية الأولى إلى فرنسا، خلافاً للتقليد التاريخي بأن تكون السعودية هي الزيارة المفتاحية الأولى لرؤساء الحكومات اللبنانية. وبهذا المعنى يبدو لبنان مثيراً للشفقة والإشفاق وهو يتسوّل المساعدات على أرصفة الدول الكبرى، سيّما وأن ليالي ما قبل تشكيل الحكومة أفصحت عن كلام قاله ماكرون لميقاتي "شكّل الحكومة وأنا سأفتح لك أبواب السعودية والخليج".

من دواعي مكافحة جائحة كورونا أنها فرضت التباعد بين البشر، وقيّدت مناسك الحج والعمرة تقرّبا لله زلفى، وربما من حسناتها اليوم أنها أقفلت مناسك العمرة السياسية بدون تعهدات واشتراطات ومواقف ملموسة أقلّه بإعمال سلطة الدولة في وقف تهريب المخدرات والكابتغون. كما وفي إلزام حزب الله بعدم إطلاق صواريخه الصوتية وغير الصوتية ضد الدول العربية عامة والسعودية خاصة، وأيضاً في عدم الانتظار طويلاً لمعرفة مآلات المفاوضات السعودية الإيرانية على عتبة جولتها الرابعة في بغداد. وهي المفاوضات التي إذا ما أثمرت وأينعت، فستنعكس إيجاباً على لبنان وكامل المنطقة. لكن ما الذي سيحصل فيما لو فشلت هذه المفاوضات، ربطاً مع مفاوضات فيينا النووية أو بمعزل عنها؟

إنها المفاوضات التي لا ينتظر حزب الله نتائجها، كما أنّه لم ولن يغير حرفاً من استراتيجيته بسببها. فوحده حزب الله بين القوى اللبنانية كافة من يمتلك الخطط العملانية المتناسبة مع حالتي نجاحها أو فشلها. وهو إذ يسيطر جنوبا وبقاعاً بصواريخه، فإنه يسيطر جبلاً وشمالاً بصهاريجه، التي باتت بمثابة القوة الناعمة للحزب في زمن جائحة الانهيار الاقتصادي والمالي والتي تسبّبت بها منظومة "غطّوا على سلاحنا، نغطّي على فسادكم"، ونجح حزب نصرالله في تحويلها من محنة إلى منحة. وبهذا المعنى فمقولة "حزب الله دويلة ضمن الدولة" قد عفا عليها الزمن، لصالح مقولة أخرى مفادها أن حزب الله يسيطر على الدولة، لكن أوان الإعلان عن هذه السيطرة لم يحن بعد.

ولعلّ إعلان حزب الله انتهاءه من التحضيرات للانتخابات النيابية، وجهوزيته الكاملة لها بمثابة الدليل الإضافي على أن لصهاريج المازوت وملحقاتها استثمارا سيؤمن جزءا من عوائده وفي هذه الانتخابات بالذات، حيث يرجح أن الحزب سيتمدّد في ترشيحاته في غالبية البيئات والمناطق التي تصلها منصّات صهاريجه، وذلك بخلاف البيئات اللبنانية الأخرى ومنها البيئة السنية التي أخذ يطفو على سطحها الوهن والتفكك والاستضعاف والانكسار مثل مالك الحزين تماماً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.