.
.
.
.

الحكومات العربية وعقدة الداخل والخارج

أثير ناظم الجاسور

نشر في: آخر تحديث:

منذ ان شهدت المنطقة العربية تحركات التغيير من الملكية إلى الجمهورية وإعلان استقلال هذه الدولة او تلك وعمليات التحول في شكل النظام ومضمونه والمطالبة باستقلالها من الاستعمار والدعوة للسيادة ووحدة القرار مروراً بالشعارات الوحدوية التي جمعت الجماهير حولها،

لم تر المنطقة لغاية اللحظة حالات من الاستقرار إلا ما ندر الذي يدل على ان التغييرات التي حصلت منذ ذلك التاريخ سارت وفق طرق متعرجة قراراتها لطالما اغتزلت بخص القائد وحزبه وجماعته، كل الحكومات العربية التي تقلد الحكم عاشت ثنائية المؤامرة والتحدي حتى انها ساعدت على ترسيخ هاتين المفردتين في العقل الجمعي العربي الذي سار خلف طموحات هذه الحكومات المتمثلة بشخوصها (هرم السلطة)، سيما وان هذه الحكومات تصاعدت سقوف احلامها لدرجة ان المواطن العربي كان قد غادر الحلم وسار خلف سراب شعارات الوحدة والقومية والرجل الواحد المنقذ، قد يكون انجاز هنا واخر هناك لهذا البلد او ذاك لكن المواطن لم يلمس سوى أنظمة حكم دكتاتورية شموليه تسعى لتعزيز حكمها وسلطانها بشتى الطرق والأساليب المتوفرة والمبتكرة، بعد ان عملت ايضاً (الحكومات) على ان تكون بلدانهم مسرحاً لكل الأنشطة الغير عقلانية التي انتجت مجتمعات متهالكة مكسورة.

دأبت هذه الحكومات واصرت على انها وشعوبها تتعرض لمؤامرة كبيرة من الداخل والخارج تحديداً الخارج الإقليمي والدولي اللذان يستهدفان المشاريع العربية التي من خلالها تجعل من العربي العنصر المتفوق عل كل عناصر الجنس البشري، والحقيقة ان كل المشاريع التي كانت تنادي بها هذه الحكومات هي مشاريع تعزيز سلطة ونفوذ، بالتالي اغرقت المنقطة بجملة من الحروب الداخلية والخارجية التي كانت شعاراتها اكبر من حجم الفعل ذاته (الحرب)، وتدريجياً تفقد المنطقة أراضيها ليبقى القائد القومي الكبير الملهم هو الناهي الآمر، فلم تتوانى هذه الحكومات من تقسيم المجتمعات حسب التفكير والانتماء مما ساعدت على تفتيت المجتمع العربي حسب الميول والاتجاهات لتخلق جبهات داخلية تحاول من خلالها محاربة كل الأفكار التي تعترض على سياساتها، إلى جانب المؤامرة الغربية التي ترى بالمنطقة العربية هي المنطقة الأهم في هذا العالم، بهذه الطريقة حاولت الحكومات ان تُجهل العقل الاجتماعي العربي للوصول لمبتغاها وفي سبيل ان تستمر بالجلوس على راس السلطة في هذه البلدان.

المشكلة الأخرى انها ساهمت في ترسيخ ثقافة تحويل الفشل إلى ازمة تخلق منها صراعاً كبيراً وعلى مختلف الجبهات، كل الاعتراضات التي تنبع من الداخل سواء كانت فردية او حزبية معارضة او نقابية تربطها السلطة الحاكمة بالمؤامرة على النظام واستقراره، وكل تحدي خارجي يتم ربطه مؤامرة عل الرقعة الخضراء القابع عليها شعب المشتركات والوحدة، لكن الواقع يعكس مدى عدم قدرة هذه الحكومات على النهوض بشعوبها وبواقها السيء قياساً بما كانت تعيش في السابق، وبعد التغيير الذي حصل في بعض هذه البلدان سواء من خلال ثورة او انقلاب لا تزال تعيش الحكومات الجديدة ذات الكابوس وتتعامل مع الاحداث بذات الأدوات لكن تمت إضافة مفردة ازلام النظام، وما حصل في السودان جراء الانقلاب الحالي الذي ودهت أصابع الاتهام فيه إلى ازلام النظام وحتى لغاية اليوم في العراق وبعض دول التغيير من جراء الربيع العربي، كل هذه الحكومات لا تقبل الاعتراف بفشلها في إدارة الدولة ولا تقبل بالإفصاح عن حجم الخلل الحاصل والتفسخ والترهل في المؤسسات لذلك فكل ازمة وكل تحدي تواجهه الحكومات العربية ستكون الحجة اما المؤامرة الخارجية او التخاذل الداخلي.

نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.