.
.
.
.

العالم المعاصر كما لا نعرفه!ّ

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

كنتُ أحضر مؤتمراً في ميونيخ عندما استمعتُ إلى خطاب الرئيس الأميركي الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وعلى الفور خطر ببالي عنوان كتابٍ لعالم الاجتماع الشهير إيمانيول فالرشتاين هو «نهاية العالم كما نعرفه»! يقصد فالرشتاين بالعالم الذي عرفه القرن العشرين الذي ألّف عنه كتابه الضخم ذي الأجزاء الأربعة («النظام العالمي المعاصر»). وقد أراد في «نهاية العالم كما نعرفه» التفكير في خطوطٍ كبرى للقرن الحادي والعشرين، إذا أمكن التنبؤ بها، فيمكن العمل على علمٍ جديدٍ للاجتماع من أجل الفهم والمتابعة أو القراءة الأكثر تأثيراً.
ما علاقة هذا كله بخطاب الرئيس الأميركي بايدن؟ ينشغل العالم كله كما هو معروف بمتابعة «الانسحاب الأميركي»، ويشعر «المصابون» من جرّائه (مثل العرب والأوروبيين) أنهم إنما يتابعون سياسات ترامب. أما الواقع فإنّ الظواهر والإجراءات تشكل قطيعةً معها. فالرئيس ترامب رغم صعوبة استنتاج ترابط في سياساته، كان يتحدى الواقع ويرفض الاعتراف بعالم ما بعد أميركا، بحسب تعبير فريد زكريا وفوكوياما وبرتران بادي وآخرين. يحمل على أوروبا وعلى اتفاقية المناخ وعلى الأُمم المتحدة، ويحاول مصالحة روسيا وكوريا الشمالية، بينما يدنو من شنّ الحرب على الصين، وعلى إيران! إنها محاولاتٌ من جانب القوة الأعظم في عهد ترامب لتحدي التغيير، والإصرار على بقاء عالم ما بعد الحربين العالميتين (الأولى والثانية)، حين كانت القوة الأميركية طليقةَ السراح في الاقتصاد والإنتاج والعلوم والسلاح، بل وفي الاستيلاء القيمي والمستقبلي.
وبالطبع ما عاد ذلك دليلَ قدرة ولا عاد ممكناً. لذا جاء عهد بايدن تلاؤمياً، سواء في الداخل الأميركي أو في الاستراتيجيات الخارجية. الذي تغيّر هو الأفكار تبعاً لنتائج الأعمال، وليس القدرة على الإنفاق المالي، وعندما تتغير الأفكار، تتغير الإرادة السياسية. وهذا هو الاتجاه السياسي الكبير الذي يقوده اليوم الرئيس بايدن. لا نريد حرباً باردةً (مع الصين) ولا مع أي كان. هناك عالمٌ جديدٌ في كل النواحي والمناحي، وينبغي أن تكون له آلياتٌ جديدة تتفاوض حولها الدبلوماسية المتبصرة.
وهو يعتقد أنّ سياسات التلاؤم مع الزملاء الكبار، تقلّل بالطبع من النفقات، إنما هل تولّد عالماً آمناً وإنقاذاً من المجاعة التي يعاني منها ثلث البشرية؟! ثم إذا كان الرئيس بايدن يمثل تفكيراً متماسكاً من أجل إحقاق الأمن والسلم العالميين، فلماذا «حلف الغواصات» مع بريطانيا وأستراليا، والذي أغضب فرنسا والصين؟ كان الأولى لو أن المسألة مسألة السلم والرفاه العالميين أن يُلغى العقد الأسترالي الضخم من أساسه، طالما أنّ أحداً لا يريد الصراع مع الصين أو مع غيرها!
عندنا إذن اعتبار سياسات السلم الجديدة التي يتمدح بها الأميركيون الجدد ومنطقها أنه لا حاجة للحروب وسباق التسلح. لكن عندنا ثلاثة أمور أخرى تدعو للاحتراز: الأول؛ من هم الشركاء الذين يقيمون معاً نظام السلْم والأمن؟ والثاني: على فرض التوافق التفاوضي بين القوى الكبرى وإنْ في المدى الطويل، ماذا نفعل بالقوى المتوسطة (لا الكبيرة ولا الصغيرة) التي تعتقد أنها تملك فوائض قوة وتطمح إلى الحلول محلّ المنسحبين أو على الأقلّ الضغط من أجل الجلوس معهم على الطاولة.
والأمر الثالث: وجود قوى وسطى وكبرى بين الحلفاء والخصوم تعتقد أنه قبل التلاؤم لا بد من التوازُن، وهو مفقودٌ بين هذه القوى، وهي جميعاً تشعر باختلال التوازن مع الولايات المتحدة بالذات وفي الميزانين التجاري والعسكري! الأميركيون سائرون في دبلوماسية التلاؤم التي عليها خلاف بداخل الولايات المتحدة. لكنّ دعاة التوازن الضروري، وطموحات جهات فوائض القوة، يتحركون جميعاً، وأحياناً بالتنسيق فيما بينهم فينشرون الفوضى والخراب: ألن يشجع الانسحاب من أفغانستان الحوثيين باليمن؟ ألن يشجع الافتقار للتوازن الأوروبيين على الاقتراب من الصين وروسيا؟
سياسات السلم والتعاون تحتاج إلى مفاوضاتٍ شاسعة، وأعمال على الآليات لبناء النظام العالمي الجديد. أما الذي يحصل اليوم فهو نهاية النظام العالمي القديم، والدخول في مرحلةٍ انتقالية يتقدم فيها دعاة التوازن وأرباب فضل القوة. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.