.
.
.
.

الثورة الذهنية

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

عنوان المقال مأخوذ عن كتاب «الثورة الذهنية» للأستاذ الدكتور منصور الجنادى، الذى صدر قبل شهور عن دار العين للنشر، وكتب مقدمته الصديق د. حسام بدراوى. ولكن أصول هذه الثورة بالنسبة لى تعود إلى مقال نشرته قبل ثلاث سنوات تقريبا بعنوان «حديث عن الوعى»، (المصرى اليوم ٢١ أكتوبر ٢٠١٨)، حينما تطرق لفتح الرئيس السيسى، فى خطاب أمام الندوة التثقيفية ٢٩ للقوات المسلحة، ملف «الوعى» باعتباره حلقة جوهرية فى عملية التقدم المصرية. وكما ذكرت فى هذا المقال فإن هذا الملف لم يكن معهودا من القيادات المصرية السابقة، التى كان واضحا بالنسبة لها أن الشعب المصرى لديه بالفعل وعى كبير يلقن به طلائعه الثورية أسرار آماله الكبرى، أو أنها كافية لمقاومة أشكال مختلفة من «الوعى الزائف» الذى يأتى مع أفكار منحرفة. وفى أحيان أخرى كان «العلم والإيمان» فيه ما يكفى لتشكيل هذا الوعى، أو أنه كان الدين كما تراه جماعة الإخوان فى عصر آخر. والحقيقة أننى لست متأكدا مما إذا كان الرئيس قد أثار هذا الموضوع قبل هذه الندوة، ولكن المؤكد هو أنه منذ ذلك الوقت عاد للموضوع، ومن زوايا مختلفة، باعتباره حجر الزاوية فى عملية الدفع الجارية للتقدم المصرى. وإذا كانت «البنية الأساسية» هى التى يقوم عليها عملية البناء والعمران والانتشار الجغرافية والنمو الاقتصادى بشكل عام، فإن «الكرامة» باتت مفهوما أساسيا لوصف ما نحن بصدده، سواء كان فى برنامج «تكافل وكرامة» أو «الحياة الكريمة» تجاه الحالة التى نريد للإنسان المصرى أن يكون عليها فى الداخل والخارج من جراء هذه العملية الجبارة والمدهشة. ولا يخفى على أحد أن «الكرامة الإنسانية» كانت واحدًا من شعارات ثورة يناير ٢٠١١ الأساسية، بالإضافة للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

«الوعى» يقدم مفتاحا آخر لما هو ضرورى خلال هذه المرحلة، ولكنه مفتاح معقد ومركب لفتح أبواب هى الأخرى تفضى إلى عوالم لا تقل تعقيدا وتركيبا. وفى الحياة العملية فإنه يثار ويعتبر حلا فى مواجهة مشاكل مستعصية مثل الزيادة السكانية، أو التعامل مع معضلة المخلفات والنظافة أو ما يشابهها، مما يعزى استدامتها إلى غياب الوعى أو قصوره.

ورغم ذيوع استخدام مفهوم «الوعى» فإنه يكون غامضا وعصيا عند الاستكشاف، وفى وقت من الأوقات كان مختلطا بمعرفة معلومات كانت غائبة مثل تلك التى قادت الأستاذ «توفيق الحكيم» إلى طرح أطروحته حول الفترة الناصرية عن «عودة الوعى» فى مطلع السبعينيات من القرن الماضى. وفى كتابه المشار إليه أعلاه فإن د. منصور جنادى يأخذ المفهوم كله إلى سقوف متشابكة يتركب فيها ما هو سياسى «الثورة» بذلك الذى هو عضوى «الذهن» الذى يعبر عن «العقل» من حيث القدرة على الاستيعاب والربط بين متغيرات مختلفة تتلاقى وتتباعد، ولكنها تتفاعل فى كل الأوقات. وفى إشارة مهمة يعود إلى الحكمة التى تقول «ليس هناك حل عملى أفضل من وجود نظرية جيدة»، وبعدها يقرر أننا نفتقر لأسباب عددها لمقومات التنظير من معرفة ومنهجية وصبر، وربما كان فى الأمر تخوف مشروع من «الأيديولوجية» المعرضة للجمود وأشكال متطرفة من التطبيقات الفكرية التى لا ترى المتغيرات السريعة. ولكن الجانب الآخر من الصورة سوف يعود إلى عملية استيعاب المعلومات التى تتطلب نوعا من الفرز والتمييز ما بين الصالح والطالح من خلال الخريطة الذهنية التى تقوم بهذه العملية، لكى ترتب بعد ذلك موقفا أو إجراء أو هروبا من المسألة كلها. هذه الخريطة تحدد مواقف من الزمان والمكان، والقبول والرفض للموضوع أو القضية، والاستعداد للتوافق أو الرفض أو التأجيل، وكل ذلك مع تحديد الأولويات التى يجب مراعاتها. هذه العملية تسمى Cognition، وهى متأثرة بكثير من السوابق والتقاليد والتى تتراكم فيها معارف وخبرات ليست بالضرورة صحية فى حالة التعامل مع الواقع. وفى الحالة المصرية والعربية فإن هناك حاجة كبيرة لثورة ذهنية فى هذه الخريطة تأخذ بها من حالتها الراهنة إلى حالة أخرى تتماشى مع الأركان الأخرى لهذه النهضة والتى بعضها له طبيعة مادية، والبعض الآخر له طبيعة قيمية.

الوعى ونشره هكذا هو حالة قصدية لخلق العلاقة ما بين التفكير والواقع، ومن ثم تستوجب أولا الكثير من المراجعة للكثير مما سبق من أفعال ووقائع، وثانيا الكثير من المعلومات التى تجعل ما هو جار معلوما ومفهوما ومعقولا، ووضعه فى سياق متكامل فى المشروع الوطنى، وثالثا ما هو أكثر من العلم الذى لا يتخلص من الخرافة فقط، ولا حتى الخلاص من نظريات المؤامرة الشائعة بقوة، وإنما ما يعطى القدرة على التحليل والمنطق. وعلى سبيل المثال فإن هناك بالفعل فى مصر الرؤية الخاصة بالمشروع الوطنى الحالى والمتمثلة فى مشروع مصر ٢٠٣٠، والواقع أن هناك فى دول عربية رؤى مماثلة، منها ما اختار ذات الفترة الزمنية مثل السعودية، ومنها ما اختار مدى زمنيا أبعد إلى ٢٠٣٥ مثل الكويت. المسافة بين هذه الرؤية والواقع الذى تجرى فيه عمليات كثيرة واسعة النطاق بعضها خاص بالعمران والانتشار الأفقى والرأسى، وبعضها الآخر له علاقة بالقوانين والمؤسسات، والبعض الثالث له ارتباط بالنمو العام فى المجتمع. ما بين الرؤية والواقع مسافة كبيرة لا تتضح فيها العلاقة بالزمن وما تحقق فيه، وما لم يتحقق، وما كان متجاوزا له وما لايزال متخلفا عنه. ببساطة فإن نشر وإذاعة مشروع التطبيق الكلى للرؤية يساهم فى كثير من الوعى بالعملية كلها، والانتقال من مرحلة إلى أخرى، ويكون «الوعى» بذلك دافعا للتعامل الإيجابى مع الواقع.

الوعى أو المعرفة والإدراك الكلى بالمشروع الوطنى لا يغنى عن التنوير بالرابطة بين المشروع والإنسان المصرى ليس فقط من خلال النتائج التى تسد حاجة أو تساهم فى معدل للنمو، وإنما فى توضيح دور المصريين فى تصور وتنفيذ ما يجرى. وعلى سبيل المثال فإن تنفيذ مشروع قومى مثل «العاصمة الإدارية» مفيد فى تنمية الحاجة إلى الخروج من الوادى الضيق، أو إقامة الحكومة الذكية، ولكن معرفة من الذى وضع التصميم الكلى وعما إذا كانت وجهات نظره فى العاصمة قد تنافست مع وجهات نظر أخرى، وعما إذا كانت كل أجزاء العاصمة قد تناولتها مجموعة أو شركة مصرية أو أجنبية أو كلاهما معا، كل ذلك يغذى عملية الوعى والارتقاء بالخريطة المفهومية. هذه العملية من «الأنسنة» للمشروعات، فضلا عن أنها تغنى التاريخ والذاكرة الوطنية، فإنها أيضا تضيف للوعى كيف أمكن التغلب على الصعاب والمشكلات، بل وحتى حل المشكلات العلمية للتعامل مع التربة أو بعد المسافة. «الثورة الذهنية» تأخذ الوعى إلى مراحل أخرى لخلق الأفكار والإبداع والارتقاء بالإنسان المصرى.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.