.
.
.
.

فلسطين: إستراتيجية المواجهة!

محمد الرميحي

نشر في: آخر تحديث:

مؤلم القبض من جديد على الرجال الستة السجناء الذين حفروا النفق في السجن الإسرائيلي المشدد، لقد كان هروبهم والقبض عليهم من جديد قصة درامية وإنسانية موجعة حتى العظم تابع العالم تفاصليها وكان العرب أولاً والفلسطينيون هم الأكثر حسرة.

هذا المشهد الإنساني المعذب للضمير كيف يمكن أن نقرأه؟ في الغالب يمكن ذلك من خلال زاويتين، الأولى العاطفية والمتعاطفة والشاجبة للاحتلال وما ينتج منه من صلف وتلك السائدة في التعليق على المشهد، أما الثانية وهي في الأقلية، بل وأرى أنها في الندرة، هي التي تحاكم المشهد بعقلانية. يتطابق مشهد الهروب والقبض على مشهد القضية الفلسطينية برمتها (فأنت تستطيع التخطيط للهروب أو مواجهة ما انت فيه) كما حدث في مرحلتي (حفر النفق ومن ثم الهروب) وفي مراحل القضية على اختلاف درجاتها، ولكن الأكثر أهمية هي إستراتيجية (ما بعد الهروب) وهي المعضلة التي واجهت الرجال الستة وأدت في النهاية الى القبض عليهم، وتواجه القضية برمتها.

البعض يراهن على الزمن وتغير الظروف، وهي مراهنة مريحة ولكنها لا تقرأ تاريخ الصراعات كما يجب، وبعضهم يرى أن (المقاومة) وعلى رأسها الرفض المشبع بتحالفات مع الغير هو الطريق، ولكن الدول تغير من مواقفها بحسب مصالحها لا بحسب مصالح الحليف، آخر الأمثلة ما حدث لمؤسسات "حماس" الاقتصادية في السودان!!.

يجب الاعتراف بأن الموضوع الفلسطيني متفرد، تحلو للبعض مقارنته بجنوب أفريقيا، لكن المقارنة هنا فيها تعسف، القضية الفلسطينية لا تشبه إلا القضية الفلسطينية، من هنا تحتاج قبل أي شيء آخر الى عقول لا الى عواطف. القضية هي هنا، (لا توجد إستراتيجية متقاربة لمواجهة ما نتج من الاحتلال) واضحة للنفس والآخر ومستقرة حتى اليوم. أطول قضية صراعية في العالم ما زالت مع الأسف تفتقد إستراتيجية بعيدة المدى يمكن أن تحقق الحد الأدنى من التقدم لنيل الحقوق. لا يجب أن يكون المرء ساذجاً ولا يلتفت الى التعنت الإسرائيلي. والشعب الذي يعتقد في جملته أو ربما أكثريته، أن الزمن في جانبه يواجه حقيقة أن الزمن محايد يستطيع أن يستفيد منه من هو اكثر حنكة. لا يخلو الصف الفلسطيني من رجال ونساء أذكياء يستطيعون أن يساهموا في تطوير إستراتيجية متماسكة، وبعضهم قد كتب في ذلك، إلا أن هؤلاء إما مهمشون في الداخل الفلسطيني وفي الخارج، أو يمارس عليهم (إرهاب فكري) يمنعهم من إشهار رؤيتهم وأفكارهم.

واضح أن القيادات الفلسطينية في قمة الهرم في كل الفصائل خاضعة بدرجة أو أخرى الى الشعبوية، وبعضها خاضع لتصورات خارج العصر ويقرأ الساحة قراءة إما قديمة أو نابعة من رغبات عاطفية. آخر ما يحتاجه الفلسطينيون النصيحة من الخارج، الأولى أن يفتح باب النقاش الحر والعقلاني في ما بينهم، إلا أن ذلك الباب واقعياً لا يمكن أن يفتح لسببين على الأقل من عدد من الأسباب الأخرى الثانوية، الأول حساسية القضية لدى قطاع واسع من الفلسطينيين بسبب الشحنة العاطفية التي تلازمها، والثاني تمسك القيادات بخيارتها التي لم تتغير وربما لن تتغير. معظم شحنة الغضب لدى الفلسطينيين تتفرق في اتجاهين: الأول صراع قديم ومتجدد في ما بينهم، والثاني صراعهم مع مجتمعات عربية مجاورة أو بعيدة. سلسلة من اغتيال الفلسطينيين للفلسطينيين في مرحلة من المراحل تركت عدداً كبيراً من الضحايا وما زال الأمر قائماً ولو على نطاق أضيق، أو صراع عبثي مع المجتمعات العربية، وتحيز هنا وهناك ثبت فشله مرة بعد أخرى وتكاليفه الباهظة على الشعب الفلسطيني. اليوم نذكر مأساة اللبنانيين مع الطاقة فنتذكر أن من نسف خط (التاب لاين) النفطي الواصل بين المملكة العربية السعودية والزهراني هو فصيل فلسطيني، من دون النظر الى مصالح شريحة واسعة من العمالة اللبنانية والضرر على الاقتصاد اللبناني، ذكرت ذلك المثال من مئات الأمثلة والتي لم تكن تضر بإسرائيل أو تفيد القضية حتى بثقل شعرة. مثل هذه الممارسات ما زالت قائمة. مثال آخر إرسال بضعة صواريخ من العراق الى إسرائيل عام 1990 واعتبار بعض الإخوة في القيادات الفلسطينية أن "بسمارك العرب" قادم؟ أو القول عن ميليشيات هدمت أوطانها على رأس الجميع أنها "مقاومة لتحرير فلسطين". البكاء على الماضي موجع وطعمه مر، إلا أن ما يوجع أكثر هو هذا التنافس المرضي والذي قد يؤدى الى فقد المكتسبات القليلة التي حققتها القضية.

هل لدي مفتاح للدخول الى أول سكة الطريق، نعم، أن تقوم عقول فلسطينية، نساء ورجالاً، وتنظر الى القضية بمنظور واقعي مع دراسة المتغيرات الدولية، وترسم خريطة طريق، أكاد أسمع من القارئ الكريم أن أول تلك الخريطة هي "الوحدة"، فلم يستطع شعب أن ينال حقوقه وهو متشرذم يمسك بعضه ببعضه الآخر من الرقبة، معتمداً على أيديولوجيا لها من الماضي أكثر بكثير مما لها من المستقبل.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.