.
.
.
.

"مهر" تحذف جيوش إيران الخارجية!

علي شندب

نشر في: آخر تحديث:

ليس عابراً ما قاله قائد "مقر خاتم الأنبياء" الجنرال الإيراني، غلام علي رشيد. فقد اعترف الرجل أن قائد فيلق القدس قاسم سليماني سبق وأبلغ قادة القوات المسلحة الإيرانية قبل اغيتاله بثلاثة أشهر، بأنه "قام بدعم من الحرس الثوري والجيش الإيراني بتأسيس وتنظيم ستة جيوش خارج الأراضي الإيرانية، وتنتشر هذه الجيوش بدءاً من الحدود الإيرانية وصولاً إلى البحر المتوسط، لكن مهمتها الدفاع عن إيران.

وبوضوح عار من كل التباس، عمد غلام رشيد إلى تعداد هذه الجيوش نقلاً عن رمز قوة إيران الخارجية المقتول بغارة أميركية ترامبية في مطار بغداد. وفيما تصدّر حزب الله اللبناني قائمة الجيوش التي تمثل قوة ردع بالنسبة لإيران، فقد حلّت حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين ثانياً، ثم الجيش السوري، والحشد الشعبي في العراق، وأخيراً الحوثيين في اليمن. وشدّد غلام رشيد نقلاً عن سليماني "أن تلك الجيوش تحمل ميولاً عقائدية، وتعيش خارج إيران، ومهمتها الدفاع عن طهران ضد أي هجوم".

وللتأكيد على أن تصريح غلام رشيد ليس عابراً، وإنما يجحّظ حقيقة الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وخصوصاً نظرتها المموّهة إلى جيوشها، وحقيقة تسمينها بهدف استخدامها. إنها الجيوش التي ما أنشأتها إيران ودربتها وموّلتها وسلّحتها لتخدم أجندة الأيرنة، فضلاً عن مقتضيات مصلحة المصلحة الإيرانية العليا.

وإذا كانت تصريحات اللواء غلام علي رشيد لم تصب حزب الله بأي حرج جرّاء تصريحات قائد مقر خاتم الأنبياء "المعني بالتخطيط والتنسيق العملاني للقوات المسلحة الايرانية"، لأنّه سبق للسان حزب الله حسن نصرالله أن جاهر مراراً وتكراراً بأنّه "جندي في جيش الولي الفقيه، وهذا أمر يشرّف نصرالله ولا يعيبه، وبالتالي فهو ذهب إلى أبعد ممّا عناه وقصده غلام رشيد وملهمه قاسم سليماني معاً.

وفيما لم يصدر أي تعليق عن دمشق والجيش العربي السوري حيال التصريحات الإيرانية، فيُرجح أن يكون موقف الحوثيين متطابقا مع حزب الله، في حين أن فرزاً حقيقياً أخذ يصيب الحشد الشعبي ويتجحظ الانفصال بين فصائله ضمناً ولغير سبب، بين ما بات يعرف بحشد الولاية وحشد المرجعية.

لكن الحرج الحقيقي أصاب مقتلاً في حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين، لاسيّما وأن غلام رشيد أظهرهما بمظهر المرتزقة وكأنهم مجرّد بندقية للإيجار، لا يقاتلون لأجل فلسطين والقدس، إنما لأجل من يموّلهم، فيقدمون له الشكر كما حصل في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، ويومها بحّ صوت إسماعيل هنية عبر مكيروفونات الدوحة وهو يتلو ما يعتبره تبريرات وجيهة حول علاقة حماس مع إيران.

أمّا خالد مشعل الذي كان محل مساءلة استنكارية جراء شكره لإيران، وأيضا لرفع حركة حماس صور قاسم سليماني في غزة، من بعض القيادات الوطنية العراقية السنية والشيعية المناهضة للتغوّل الإيراني في العراق والمنطقة، فقد أشعل تبريراته لمسائليه بالقول "نشكر كل من يدعمنا، وشكرنا له محصور بما يتعلق بموقفه من القضية الفلسطينية حصراً". وقد أدار مشعل كل محركات براغماتية الإيهام ليبدو بمظهر المتذاكي على ساسة إيران الذين وجدوا الفرصة المناسبة ليبيّنوا له حقيقة نظرة إيران تجاه حركته، حيث يفاخر بعض إخوان مشعل وحماس من أنّ تأثـّر الثورة الخمينية والخامنائية وإعجابها بأطروحات سيّد قطب دفعها لترجمة بعض كتبه. وقد تضخّمت المفاخرة الإخوانية بخميني وخامنئي حد اعتبارهما إخوانيين أكثر من الإخوان، تضخم يستبطن التبرير العميق لعلاقتهم التخادمية مع ايران.

وفيما لاذت حركة حماس بالصمت إزاء تصريحات قائد مقر خاتم الأنبياء، لم تستطع حركة الجهاد الفلسطينية بلع الفضيحة، فردّت ببيان خجول عكست فيه حقيقة علاقتها مع طهران بالقول "ان تحالفها مع الجمهورية الإيرانية الإسلامية في مواجهة اسرائيل واحتلالها لفلسطين، ولا يرتبط بأي أهداف أخرى". كلام غلام رشيد أوضح من بيان الجهاد. فإيران لا تطلب من جيوشها أن تأتي إلى ايران لتدافع عنها، فالدفاع عن إيران يكون في مواقع انتشار هذه الجيوش، تماماً كما فعلته حماس مثلاً، أثناء ثورات الربيع المسمومة في مصر وليبيا وتونس وغيرهم، ومُنعت من الاستمرار في افتعاله بسوريا، من قبل الحرس الثوري وحزب الله قبل الجيش السوري.

وكالة مهر الإيرانية التي نشرت تصريحات الجنرال غلام علي رشيد، نشرت وبطريقة تفوح منها رائحة الإحراج بيان حركة الجهاد. ولأنّ رائحة الإحراج رغم تباعد الايام كانت قوية أكثر من اللازم فقد تبيّن أن وكالة مهر قد حذفت أو أخفت تصريحات غلام رشيد عن موقعها الإلكتروني.

هذا الحذف أو الإخفاء وفق عقيدة التقية الإيرانية المتطابقة مع عقيدة الإيهام الإخوانية، لا يعني مطلقاً التنصّل من جوهر كلام غلام رشيد وقاسم سليماني. فحقيقة نظرة خامنئي لحركات المقاومة المنضوية في محوره وفق عقيدة التقية بأنهم عبارة عن مستخدمين ووقود تساهم في رفع مستوى التخصيب النووي وفق مقتضيات مفاوضات فيينا وليس على مقياس مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

ما قاله غلام رشيد، سبق وقاله بأساليب شتى أكثر من مسؤول إيراني، والأرشيف القريب والبعيد يزخر بأمثلة أكثر فظاظة، من احتلال أربع عواصم عربية، إلى الخليج الفارسي، إلى تدمير اسرائيل خلال 7 دقائق ونصف، ثم سحب هذه المقولة من التداول لأن الظروف غير مؤاتية، الى حصولهم على 74 نائبا في البرلمان اللبناني، وأخيراً الى اعتبار مستشار خامنئي علي أكبر ولايتي أفغانستان الطالبانية جزءاً من محور الممانعة والمقاومة.

كلام غلام رشيد وغيره، يعكس حقيقة الاستراتيجية الإيرانية بل الامبريالية الايرانية التي تكشف عن مخالبها كل يوم، وهي تعمل وفق نظرية "الصبر الاستراتيجي" على تحقيق أهدافها المكتومة والمعلومة. لكن هذا الكلام والسلوك الإيراني لا يعكس إلّا عقدة الايرانيين من العرب وكل ما هو عربي، ونجد كيف أنّ ساسة إيران وجنرالاتها لا يوفرون أي فرصة تسمح لهم باستصغار العرب واحتقارهم، إلّا ويقتنصوها.

الحقيقة المرّة أن ما قاله سليماني لغلام رشيد أكثر من صحيح، والخطورة ليست في الكلام إنما في مرارة حقيقته. الحقيقة التي تقول أن إيران اقتدرت على اختراق النسيج العربي ومزّقته، فأسّست من بعض نسيجنا جيوشها وحشودها وأحزابها باسم المقاومة وتحرير القدس وفلسطين، وها هي جحافلها ومسيراتها وصواريخها تقصف في كل اتجاه، وتتغوّل أينما ومتى وكلما اقتدرت، لكن بعيداً عن القدس وفلسطين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.