.
.
.
.

مجزرة 1988 جريمة يجب محاسبة النظام الإيراني عليها

د. طاهر بومدرا

نشر في: آخر تحديث:

قبل التحدث عن الدور الذي قام به إبراهيم رئيسي في ما عرف بمجزرة 1988 والانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان التي ارتكبت ومازالت ترتكب في إيران، بودي أن أعطي نظرة خاطفة عن الكيفية التي تأسست بها الجمهورية الإسلامية والفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى روح الله موسوي الخميني والتي بموجبها تم إعدام الآلاف من منتسبي ومناصري منظمة مجاهدي الشعب الإيراني.

تم التنظير للحكومة الإسلامية في المحاضرات التي ألقاها الخميني على تلامذته في النجف بالعراق في السبعينات من القرن الماضي حيث طور نظرية "الولي الفقيه" وأناط بنفسه مسؤولية تحصين الحكم الإسلامي في الداخل ونشر مبادئه عالميا.

لتحصين حكم الولي الفقيه، أسس الخميني منذ وصوله إلى طهران من باريس عام 1979 ما عرف بلجان الثورة الإسلامية والحرس الثوري للسهر على التنفيذ المحكم لتوجهات المرشد الأعلى.

وانطلقت لجان الثورة الإسلامية والحرس الثوري مباشرة في أعمال تطهير البلاد من مخلفات نظام الشاه الذي هرب وعائلته إلى المنفى. فأعدم المئات من ضباط الجيش والمخابرات المعروفة بـ"سافاك" وكل من يشتبه فيه بالولاء إلى النظام الملكي. وكانت تلك التصفيات تتم دون محاكمة.

بعد هذا التطهير، بدأت المرحلة الثانية في بناء الجمهورية الإسلامية على أساس الحزب الواحد (الحزب الإسلامي). فمُنعت الأحزاب التي تعارض نظرية الولي الفقيه وتم سجن الناشطين في المعارضة واغتيلت قياداتهم.

وفي صيف 1988 بعد قبول الخميني لقرار الأمم المتحدة بوقف القتال في الحرب ضد العراق، أصدر الخميني فتواه المشهورة التي تقضي بإبادة كل المعارضة للجمهورية الإسلامية ونظرية الولي الفقيه على أساس أن من يرفض ولاية الفقيه فهو من "المحاربين المنافقين والمفسدين في الأرض" الذين تجب إبادتهم. وفورا بدأت الترتيبات لإعدام السجناء السياسيين، ومعظمهم سجنوا ابتداء من سنة 1981 باتهامات لا تقتضي عقوبة الإعدام.

وابتداء من هذا التاريخ، بدأت مجزرة 1988 بشهادة ممثل لجنة حقوق الإنسان التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة والذي دون في تقرير صادر في نهاية عام 1988 بأنه لا يشك في أن إعدامات جماعية قد حدثت فعلا وطلب زيارة البلد للتحقيق في المسألة لكنه مُنع من دخول البلاد.

بناء على فتوى الخميني، تأسست لجان أسماها النظام بلجان العفو وأسمتها المعارضة بلجان الموت.

وكان من أعضاء لجنة الموت لمدينة طهران شاب في العشرينات يسمى سيد إبراهيم رئيس - السداتي والمعروف بالسيد إبراهيم رئيسي، ولد بمحافظة خرستان رزاوي عام 1959 والذي ترأس إحدى المحاكم الثورية أيام مجازر 1988. كما ترأس بعض الجمعيات الخيرية وتدرّج في السلك القضائي إلى أن أصبح رئيسا للجهاز القضائي لوزارة العدل الإيرانية قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية الإسلامية.

وهناك شهود عيان من السجناء السياسيين عاشوا تلك المحاكمات الجائرة وهم اليوم على قيد الحياة، وأقروا أن رئيسي الذي وصل إلى هرم السلطة التنفيذية في إيران كرئيس للجمهورية الإسلامية كان عضوا فعالا في لجنة الموت بطهران عام 1988. وفي عهدته كرئيس للسلطة القضائية تم إعدام ما يزيد عن 1500 من الذين خرجوا عام 2019 في مظاهرات احتجاجا على تفشي البطالة والتضخم وانتشار الفقر ضمن الطبقة الوسطى.

كما أكدت كل من منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” في العديد من التقارير أن رئيسي كان فعلا عضوا في لجنة الموت في طهران وطالبت المنظمتان المجتمع الدولي بمحاسبته بتهمة المساهمة في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم التعذيب والإبادة.

وقد طالب المقرر الدولي الخاص المعني بحقوق الإنسان في إيران، في تقريره الأخير بإنشاء لجنة دولية لتقصي الحقائق المتعلقة بالإعدامات الجماعية خارج نطاق القضاء والتي كان رئيسي متهما بالمشاركة فيها.

وبناء على هذه الادعاءات قامت مجموعة من أسر الضحايا الموجودة في أوروبا بتقديم شكاوى إلى الأجهزة المختصة في أوروبا بما فيها لندن وأسكتلندا، من أجل توقيف رئيسي إذا تجرأ على السفر لحضور المؤتمر الدولي حول المناخ المزمع عقده في شهر نوفمبر القادم.

الإعدامات الجماعية المرتكبة في حق سجناء الرأي تمت خارج نطاق القانون، بناء على فتوى من المرشد الأعلى، وذلك في خرق واضح للمعاهدات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان الملزمة لدولة إيران. وتصنف هذه الإعدامات الجائرة بكونها "جرائم ضد الإنسانية" وقد تشكل أيضا جريمة "إبادة جماعية" باعتبارها تستهدف إبادة مجموعة معينة تتبنى مواقف سياسية وعقائدية معينة حسبما جاء في الاتفاقية الدولية حول الإبادة الجماعية. ومن الحقوقيين الذين صنفوا هذه الجريمة كجريمة إبادة، المحامي والرئيس السابق لمحكمة الجرائم ضد الإنسانية للأمم المتحدة في سيراليون، جيفري روبرتسون.

إن متابعة أقطاب النظام الإيراني في هذه الجرائم من شأنها نقل الخوف من معسكر المعارضة إلى معسكر الملالي الإيرانية. ومن الآن فصاعدا لا يمكنهم السفر إلى الخارج دون أخذ الاحتياطات اللازمة تهربا من التوقيف والمحاسبة، ولن تشفع لهم الحماية الدبلوماسية على اعتبار أن مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والتعذيب لا يمكنهم التذرع بالمركز الوظيفي للإفلات من المحاسبة القضائية.

نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.