.
.
.
.

تحديات أوروبا الكثيرة

جيفري كمب

نشر في: آخر تحديث:

تواجه بلدان أوروبا الثلاثة الأكبر تحديات جدية وسط استمرار وباء «كوفيد-19»، إذ تشهد بريطانيا عدداً من الأزمات بسبب تداعيات انسحابها من الاتحاد الأوروبي وما ترتب بالنسبة لها على وباء «كوفيد-19». وتشعر فرنسا بالغضب والمرارة بسبب اتفاقية دفاع جديدة بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا، وهي اتفاقية سرية ألغت صفقةَ غواصات بين فرنسا وأستراليا لصالح تكنولوجيا الغواصات النووية الأميركية والبريطانية. والأهم من ذلك أن ألمانيا مقبلة على اختيار زعيم جديد بعد 16 عاماً من حكم أنجيلا ميركل كمستشارة. ففي نوفمبر 2005، أصبحت ميركل أول امرأة تتولى منصب المستشارية في ألمانيا. ومن المرتقب أن تتقاعد رسمياً عندما يتم اختيار مستشار جديد يحل محلها.
وترتبط تركة ميركل بخلفيّتها، إذ نشأت في ألمانيا الشرقية الشيوعية، وتعلّمت بثمن باهظ معنى العيش تحت حكم دكتاتوري. وسيتذكّرها الألمان والعالم كزعيمة قوية وقفت في وجه الأنظمة السلطوية والزعماء المتنمرين مثل دونالد ترامب. واستندت مهارتها والسمعة التي اكتسبتها كأقوى زعيمة في الاتحاد الأوروبي إلى قدرتها على إدارة حزبها وإدارة اقتصاد ألماني قوي. وهذا الأمر سمح لها بتولي الزعامة في مطالبة أعضاء آخرين في الاتحاد الأوروبي بالانضباط والمسؤولية المالييْن، وخاصة اليونان وإيطاليا.
غير أنها انتُقدت بشدة بسبب الطريقة التي تعاطت بها مع أزمة تدفق المهاجرين غير القانونيين القادمين من الشرق الأوسط، الذين دخلوا أوروبا عبر تركيا في عام 2015. وأسفرت الانتخابات العامة التي شهدتها ألمانيا في 26 سبتمبر المنصرم عن انتصار ضيق لـ«الحزب الديمقراطي الاجتماعي» على حزب ميركل («الاتحاد الديمقراطي المسيحي»). وحالياً يحاول زعيم «الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، أولاف شولتس، تشكيل حكومة ائتلافية مع «الخضر» والأحزاب الليبرالية، لكن تحقيق هذا الهدف قد يستغرق شهوراً.
غير أنه بغض النظر عما سيحدث، فمن المؤكد أن المشهد السياسي الألماني سيعرف تغيّرات مهمة ستكون لها تداعيات أكبر على بقية أوروبا، بما في ذلك بريطانيا على الرغم من مغادرتها للاتحاد الأوروبي. ذلك أن ألمانيا هي أكبر بلد من حيث عدد السكان وأكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي. وخلال السنوات الأخيرة، كان نفوذ ألمانيا قوياً بخصوص كل المواضيع الرئيسية التي تواجه الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك السياسة المالية والنقدية، والهجرة من الشرق الأوسط وأفريقيا، والعلاقات مع روسيا وتركيا، ودور حلف «الناتو». وإذا اتّبعت الحكومة الألمانية الجديدة سياسيةً أكثر ليبراليةً في ما يتعلق بتغير المناخ والمزايا الاجتماعية، فلا شك في أنه سيكون لذلك تأثيرات واسعة على الاقتصادات الأوروبية.
وهذا يمكن أن يؤدي إلى توترات أكبر مع حكومتي بولندا والمجر العضوين في الاتحاد. أما في ما يتعلق بالتحديات الحالية التي تواجه بوريس جونسون، فإنها تشمل أزمة وقود قصيرة الأمد بسبب مشاكل لوجستية تتعلق بالخروج المفاجئ من الاتحاد الأوروبي والأزمة الوبائية التي خلقت ضغطاً وعبئاً كبيرين على النظام الصحي البريطاني (الـ«إن إتش إس») الذي يعاني من نقص في التمويل.
والواقع أن كلتا المشكلتين يمكن حلهما من خلال حكامة أحسن. غير أن مشكلة جونسون الأصعب تتعلق بكيفية ثني كل من اسكتلندا وإيرلندا الشمالية عن المطالبة بانفصال محتمل عن إنجلترا وويلز. وهذا يمثّل تحدياً وجودياً بالنسبة لكل زعماء بريطانيا في الواقع. غير أن «حزب العمال»، للأسف، ما زال منقسماً على نفسه بين أقصى اليسار والأجنحة المعتدلة فيه. وزعيم الحزب السير كير ستارمر لا يمتلك شخصية قوية وجذابة ولا أفكاراً منسجمةً بخصوص كيفية التعامل مع التطلعات الاسكتلندية والإيرلندية إلى الاستقلال.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد انتابه غضب شديد بسبب خسارة صفقة الغواصات الأسترالية، لكن هذه الأزمة قد تختفي قريباً. والسؤال الحقيقي بالنسبة لماكرون هو ما إن كان قادراً على الاضطلاع بدور الزعيم الأوروبي المهم في غياب ميركل. ما هو واضح حتى الآن هو أن أوروبا تتجه نحو حالة من المجهول وعدم اليقين بشأن دورها المستقبلي وسبل التعاطي مع مشاكلها الداخلية الخاصة بها، بما في ذلك تداعيات بريكست والعلاقة مع روسيا. وهذا يأتي في وقت سلكت فيه إدارة بايدن، وعلى الرغم من كل ادعاءاتها بشأن دعم التحالف الأطلسي (الناتو)، اتجاهاً جديداً يجعل من آسيا التحدي ذي الأولوية بالنسبة للأمن القومي الأميركي، حيث تتركز الأنظار في واشنطن على الصين بالأساس.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.