.
.
.
.

تبعية المقاومة الفلسطينية لإيران

محمد أبوالفضل

نشر في: آخر تحديث:

ليس هذا العنوان من قبيل التهكم أو السخرية أو للتقليل من الدور النبيل الذي قامت به المقاومة الفلسطينية، لكنه يعكس وصفا خطيرا ظهر على لسان مسؤول إيراني مؤخرا، حيث اعتبر الرجل حركتي حماس والجهاد من الأدوات الإقليمية للدفاع عن بلاده ضمن ستة جيوش تتولى مهمة الردع والدفاع في أي لحظة.

مر حديث علي غلام رشيد قائد ما يعرف بـ”مقر خاتم الأنبياء” يوم الأحد الماضي دون أن تتوقف عنده تفصيلا الحركتان، ما يحمل موافقة ضمنية على ما قيل في حق المقاومة التي ظلت تناضل منذ عقود ضد الاحتلال الإسرائيلي للدفاع عن القضية العربية المحورية، وإذ بطهران تشطب هذا التاريخ بتصريح واحد.

أشار غلام رشيد إلى أن قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس أعلن قبيل مقتله أنه قام بتنظيم ستة جيوش بدعم من قيادة الحرس الثوري وهيئة الأركان العامة للجيش، وتحمل ميولاً عقائدية وتعيش خارج البلاد، مهمتها الدفاع عن إيران ضد أي هجوم.

تشمل هذه الجيوش حزب الله اللبناني، وقوات النظام في سوريا، والحشد الشعبي العراقي، وميليشيا الحوثيين في اليمن، علاوة على حركتي حماس والجهاد.

كان الحديث يدور حتى وقت قريب حول سيطرة إيران على مفاتيح أربع عواصم عربية، هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، والآن يضاف إليها قطاع غزة الذي تهيمن عليه حماس وتلعب حركة الجهاد دورا متفاوتا في دعمها سياسيا وعسكريا.

مهما كانت قوة العلاقة بين المقاومة الفلسطينية وطهران، وجزء كبير منها معروف، لم يتخيل أحد أن تصل الجرأة إلى القول إن حماس والجهاد من أدوات إيران العسكرية في المنطقة، ما يجردهما من دورهما الوطني الذي درجتا على ترويجه، ويقلل من حظوظهما الشعبية في الشارع العربي، فلا يزال هناك من يعتقدون أن سلاح المقاومة هو سبيل الدفاع عن القضية الفلسطينية.

لا أعلم هل إيران بهذا التصريح أرادت أن تظهر لإسرائيل قربها منها أكثر مما تتخيل، أم تحاول التأكيد على أن أحد أذرعها في المنطقة متمثلا في المقاومة الفلسطينية يمكنه أن يكبدها خسائر كبيرة إذا تجرأت على القيام بتصرف عسكري كبير ضدها، أم كشفت عن الحقيقة التي حاولت حماس والجهاد مداراتها طويلا؟

ربما ينطوي تصريح غلام رشيد على كل هذه الأغراض مجتمعة، لذلك ينذر توقيت إعلانه بأن هناك مرحلة جديدة يمكن أن تدخلها طهران، قد يكون للمقاومة الفلسطينية دور مهم فيها، فالإشارة إلى حماس والجهاد مباشرة في الوقت الراهن لم تكن عبثا أو صدفة أو رمية بغير رام؛ فأن يأتي الحديث عن العلاقة بالشكل التي بدت فيه العلاقة العقائدية طاغية فهذا يعني أن ثمة ترتيبات تقوم بها إيران ستشهد توترا دوليا معها.

بعيدا عن الأهداف الإيرانية من وراء التلميح المتعمد لمسألة التبعية، جرى نزع ورقة التوت التي تتغطى بها الحركتان حيث صورتا التعاون مع طهران على أنه يتم وفق أطر أيديولوجية، وأن الدعم الذي تتلقاه كل من حماس والجهاد من طهران لأجل عيون تحرير القدس كقضية إسلامية مهمة في الخطاب السياسي الإيراني.

زاد التصريح من شكوك البعض في المقاومة وروابطها الخفية بإيران والأغراض التي تسعى لتحقيقها في المنطقة وأنها لا علاقة لها بالقضية الأم أو تحرير الأرض أو إجبار إسرائيل والمجتمع الدولي على القبول بدولة فلسطينية قابلة للحياة، ويعزز هذا التطور حالة عدم الثقة في المقاومة التي بدأت تتنامى منذ انحراف قادتها عن أهدافها، والاستغراق في الانقسام ورفض التجاوب مع الجهود المختلفة لترميمه.

يلقي التصور الإيراني بظلال سلبية على بعض الدول العربية التي تجاوزت أخطاء حماس، ورأت أنه يمكن تدجينها هي وحركة الجهاد، أو على الأقل منع ارتمائهما في أحضان طهران التي تعرف جيدا كيف توظف أوراقها العسكرية والسياسية.

يوحي هذا الكلام بأن طهران موجودة في قلب غزة، الأمر الذي يسبب إزعاجا للقاهرة التي تحرص على القبض على الكثير من مفاتيح القطاع لوقف انفراطه، وتعمل على منع تحويله من قبل حماس إلى دويلة إسلامية يمكنها أن تستقطب المتطرفين من مناطق مختلفة وتصبح فناء خلفيا تستخدمه إيران في الضغط على إسرائيل وربما مغازلتها.

جاء إعلان المسؤول الإيراني كجرس إنذار لمصر التي استطاعت ضبط سلوك حماس أحيانا ووقف تماديها في التصعيد العسكري لأنها لن تتمكن من الصمود طويلا أمام آلة الحرب الإسرائيلية وسوف تتسبب في زيادة معاناة الشعب الفلسطيني في غزة.

ويؤكد أن الدعم الذي تقدمه إيران لحماس والجهاد يتم تسخيره لأجندتها السياسية، وهو ما يوسع الفجوة التي تعاني منها القوى الفلسطينية، فإحدى أزماتها التاريخية تكمن في ارتباطها بحسابات قوى إقليمية، لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن يتحول الارتباط إلى تبعية كاملة، وتعمل الحركتان ضمن منظومة لا تراعي الحد الأدنى من المصالح الوطنية التي جرت المحافظة عليها سابقا.

لم تنتبه إيران إلى أنها في غمرة تفاخرها أضرت بأدواتها وأذرعها في المنطقة، ونزعت ورقة التوت عن كل من حماس والجهاد اللتين حاولتا التدثر بها وتتعلق بأنهما تتزعمان سلاح المقاومة الفلسطينية في وجه إسرائيل بعد أن خفت نجم حركة فتح.

المثير أن الحركتين أصيبتا بالخرس السياسي خوفا من أن تكشف إيران الكثير من التفاصيل التي قد تحرجهما أمام المواطنين الذين وثقوا بهما، وعولوا على قدرتهما في الحفاظ على شرف فلسطين وكرامتها، فقد قدمتا العلاقة في شكل تعاون وتنسيق يبدو فيه الطرف الفلسطيني ندا أو موازيا لطهران، فكما تتلقّى كل من حماس والجهاد دعما منها فهما تقدمان لها مساعدات تخدم أهدافها في إطار من المصالح المشتركة.

وضع العلاقة في خانة التبعية يخسّر المقاومة الفلسطينية جزءا كبيرا من رصيدها المعنوي الذي راكمته بفعل مواجهات عديدة خاضتها ضد إسرائيل في الآونة الأخيرة.

لم يعد الحديث عن تبعية حزب الله والحشد الشعبي والحوثيين شيقا لأسباب مفهومة تتعلق بالوازع الشيعي المشترك الذي يحكم إيران بهم، ودورها في نشأتهم وتضخيم المهام التي يقومون بها، بينما الحال يبدو مختلفا في الحالة الفلسطينية، فحركتا حماس والجهاد تنتميان إلى المذهب السني ونشأتهما جاءت لاعتبارات وطنية.

يؤدي نزع الغطاء الوطني عن الحركتين وإسناده إلى خدمة أغراض إيران إلى تغير في التصورات التي كانت تراهن عليهما في معركة الاستقلال، ويقدم لإسرائيل هدية ثمينة كانت تحلم بها سوف تمكنها من زيادة ضغوطها على المقاومة الفلسطينية التي سيكون من السّهل التشكيك في ولاءاتها الوطنية.

نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.