.
.
.
.

الوعى والتعصب

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

الوعى هو عملية يقوم بها الإنسان لإدراك الحقيقة فى محيطه المادى والمعنوى، ومصدرها فى الأساس هو العقل الذى يقوم بترتيب ذهنى للأمور يتعرف على عناصرها الأولية والعلاقات والتفاعلات بين كل عنصر والآخر، وروابط كل ذلك بالزمان والمكان، وإلى أى حد يترتب على ذلك موقف قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا.

فى هذه الحالة بالغة التعقيد يكون الأكثر وعيًا على استعداد لتحييد الكثير من المشاعر الخاصة بالحب أو بالكراهية، وبالقبول أو الرفض دونما سبب موضوعى، والتحكم فى الغرائز التى توقظ سلوكيات عدوانية. التعصب عكس كل ذلك تمامًا، يسير فيه الإدراك فى الاتجاه المضاد للفضيلة الإنسانية لإدراك الأمور على حقيقتها واستبدالها بالغوص فى الأنا الذاتية للإنسان ومدى ما فيها من أنانية ومصالح خاصة وإثارة لغرائزها، وكل ذلك فى اتجاه السيطرة والهيمنة على الإنسان الآخر.

وبينما يمكن للوعى أن يدرك حالة «الآخر» وما فيه من تنوع طبيعى جدير بالحالة الإنسانية، فإنه فى التعصب لا يرى فيه إلا حالة من الخطيئة، وربما الكفر والخروج على الملة والناموس البشرى. وكما أن الوعى يكون بالأوطان والعالم والإنسانية كلها، فإن المتعصب لا يرى هناك رابطة خارج ما يعتقد أنه العقيدة الكاملة، أو المذهب الخاص الأكثر كمالًا، أو أى نوع من الانتماء إلى الذكورة أو القومية أو حتى النادى الرياضى الذى يكون التشجيع له.

ولعل هذا الجانب الأخير قد جاء مُلِحًّا بشدة على النقاش العام فى مصر عندما شاركت فى ندوة «الإعلام المصرى بين المهنية والترند»، بدعوة كريمة من الأستاذ أشرف محمود، رئيس الاتحاد المصرى للثقافة الرياضية. كان العنوان عمليًا يعنى نقاشًا وحوارًا حول دور الإعلام فى محاربة التعصب والتطرف والانقسام؛ وبشكل بسيط كيف يمكن وقف الحرب غير الرياضية بين جمهورى الأهلى والزمالك وعودة الأيام الطيبة إلى سيرتها الأولى.

.. كان الأمر مماثلًا لما جرى فى «الفتنة الكبرى»، التى جرت بأشكال متواترة فى التاريخ العربى والإسلامى، وفى داخل مصر كانت نتيجتها مقتل ٧٢ مشجعًا أهلاويًا فى بورسعيد، وتحت أقدام التدافع قُتل ١٧ زملكاويًا فى استاد الدفاع الجوى.

أصبح لقطبى الكرة المصرية شهداء يشعلون من أجلهم المشاعل وأحيانًا هتافات الثأر، وفى أحوال كثيرة يجرى جَرّ العقلاء والمُبشّرين بجنة الحكمة إلى ساحة الانحياز. بالنسبة لى كان الأمر دائمًا مرتبطًا بالحالة المصرية فى مجملها، ليس فقط بما يمكن أن يقدمه الأهلى والزمالك إلى الفريق القومى المصرى (الفراعنة) من مدد بشرى وأخلاقى؛ وإنما دوره فى عملية النهضة المصرية. كان المقال الأول الذى كتبته قبل ثلاثين عامًا تعليقًا على الذهاب المصرى الثانى إلى كأس العالم عنوانه التساؤل: لماذا لا نفوز بكأس العالم؟ لم أكن من السذاجة بحيث أعتقد أن ذلك هو ما سوف يحدث فى «باليرمو» الإيطالية حيث تكون مباريات مجموعتنا، وإنما التساؤل عن التأخير وأسبابه، وعما إذا كانت هناك بشارة جديدة سوف يتلوها بقاء ضمن المقدمة العالمية.

كانت التساؤلات صحيحة، ولكن النتائج كانت مُخيِّبة للآمال، فطال الانتظار ٢٨ عامًا. هذه المرة لا يوجد مجال للمراوحة، ولا للتعصب، ولا لإفساد المؤسسات الرياضية، وإنما لمعرفة أن المجال الرياضى مثله مثل كل المجالات الأخرى، التى تشمل مصادر قوة مصر الصلبة والناعمة والذكية، لا يمكن أن يظل أسيرًا لحالات متخلفة من التنظيم والعمل.

الرئيس السيسى وضع قاعدة عامة فى نهضة مصر الحالية، وهى اتباع القواعد العالمية فى المقاييس والأدوات؛ فلم يكن ممكنًا القبول بأن تكون لدينا عملة لها سبعة أسعار، أو نقبل بوجود العشوائيات، أو أن يظل الريف كما هو، ولا أن تبقى سيناء فارغة، ولا أن يظل الصعيد متخلفًا، ولا أن تكون المرأة بدون حقوق، أو أن يكون بين المصريين مَن لا يحصلون على المواطنة الكاملة فى دولة وطنية.

الرياضة ليست استثناء، وكرة القدم ليست على رأسها ريشة، وهى مثلها مثل غيرها خاضعة لقوانين دولية ليس فقط فى التحكيم وإدارة المباريات والفرق، وإنما هى خاضعة أيضًا لجداول زمنية للمباريات المحلية، والمسابقات الإقليمية، وتلك العالمية، ولكل منها زمن وتوقيت. ولما كانت الرياضة مثلها مثل السلع الاقتصادية من بضائع إلى فنون خاضعة لقواعد المنافسة المعتبرة فإن منطقها يقوم على السبق والقبول بالانتصار والهزيمة والتنظيم الدقيق الذى تقوم به جماعة من المحترفين والخبراء الذين لا يُحاسَبون بالقطعة، وإنما بالإنجازات الرقمية المرصودة من محللين محترفين. وإذا كانت المبادئ فى الاقتصاد تقوم على أنه لا ينبغى أن تطرد العملة الرديئة العملات الصعبة والجيدة، وألّا تفوز السلع الفاسدة أو المزيفة الأخرى الجيدة والمفيدة، فإنها فى الرياضة وكرة القدم من بينها تقوم على القيم الأوليمبية التى تعطى للأسرع والأعلى والأكثر مهارة والأقوى وصاحب الروح الرياضية اليد العليا.

الحداثة والنهضة فى كل هذه المجالات مرتبطة باحترام القواعد المنظمة لها، والمثل الحاكمة لها، وكما يصدق ذلك على الأندية، فإنه يصدق على الاتحادات الوطنية.

معرفة كل ذلك جزء مهم من عملية الوعى الرياضى، وهى الأساس الذى يستند إليه الإعلام ووسائل التحليل، وهو الذى عليه أن يواجه التعصب الذى يشكل حالة نفسية ترتبط بالاندفاع مع الشباب، الذى كثيرًا ما تندفع غرائزه نتيجة عمليات الشحن المستمرة فى وسائل التواصل الاجتماعى.

وبالمناسبة فإن هذا الجانب من الثورة التكنولوجية المعاصرة مقلق ليس فى مصر فقط ولكن فى العالم أجمع لأنه يقوم أساسًا على المشاعر والغرائز وردود الفعل التلقائية؛ وإذا كان الوعى يحاول تحريك أفضل ما فى الإنسان من سمات الحكمة والحصافة والتعقل والاتزان، فإن التعصب يستدعى أسوأ ما فيه من نزعات المكايدة والمشاحنة والانعزال عن تقدير الجماعة وما بينها من روابط.

ويكمن الخلاص فى النهاية فى أن تكون «المؤسَّسية» المحكومة بالقواعد والأحكام والصبر وطول النفَس هى القائدة للعمل الرياضى، وليس الآنية، وتفادى السخط العام، أو التبعية لوسائل الاتصال الاجتماعى.

زيادة درجة المنافسة عادة ما تقاوم الاحتكار الذى يأتى من ناديين وجماهيرهما الكبيرة بإعطاء الفرصة لنوادى المحافظات لكى توسع ليس فقط من دائرة الحماس وإنما المزيد من الإنتاج للاعبين أكثر مهارة وقدرة. وكل ذلك ربما لن يكون مفيدًا لمجالس منتخبة أو معينة إذا ما كانت الخيارات بالتصويت أو بالاختيار تأتى بقيادات مرتعشة ليست لديها صلابة الرأى والقدرة على إنتاج أفضل النظم المستقرة فقط، وإنما لديها ما هو أكثر من ذلك، عدم الاستسلام لرأى الجمهور المؤقت والمتعصب، الذى هو ليس دائمًا على حق.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.