.
.
.
.

أميركا أمة مأزومة أم في خطر؟

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

في ثمانينات القرن المنصرم، ظهر على سطح الأحداث في الداخل الأميركي تعبير "أمة في خطر".

كان ذلك على وجه التحديد في بدايات إدارة الرئيس الجمهوري رونالد ريغان، ولعله من الغريب أن الخطر وقتها لم يكن مصدره الاتحاد السوفيتي وصواريخه النووية، وإنما كان الخطر داخليا متمثلا في إشكالية المستوى التعليمي للأجيال الأميركية، وفي ذلك الوقت اجتمعت نخبة العقول الأميركية، وأصدرت تقريرها الشهير المعروف باسم "أمة في خطر".

يعن لنا أن نتساءل اليوم هل إدارة الرئيس جو بايدن مأزومة، أم أن الولايات المتحدة الأميركية برمتها باتت أمة في خطر، وهل تلك الأزمة يمكن أن تذهب بمستقبل القوة الأميركية برمتها؟

الشاهد أن الأمر يستحق قراءة مطولة، غير أن عدة نقاط تبين لنا أن هناك مخاطر حقيقية محدقة بالداخل الأميركي، تجعل المجتمع الأميركي في خطر حقيقي.

لتكن البداية من عند الإدارة الحالية، إذ لاشك أنها تعيش حالة من الأزمة التي ستكلفها الكثير، لا سيما بعد أن بدا واضحا أن هناك هوة عميقة بين البيت الأبيض من جهة، ووزارة الدفاع الأميركية البنتاغون، من جهة ثانية.

أظهرت جلسات الاستماع التي جرت في الكونغرس لوزير الدفاع أوستن، وقائد الأركان الجنرال ميلي، أن الرئيس بايدن هو المسؤول الأول عن الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، وبالتالي عودة طالبان إلى الواجهة، مع كل ما يحمله الأمر من تبعات واستحقاقات تؤثر على حالة الأمن الأميركي الداخلي تحديدا.

هذا الشرخ في جدار العلاقات بين المدنيين الأميركيين والعسكريين يتصاعد يوما تلو الآخر، ويخلق مدا من القلق حول مستقبل الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية، بل إن هذا الخلاف طرح علامة استفهام لم يكن لها أن تظهر من قبل على سطح الأحداث الأميركية، تلك المتعلقة باحتمالات أن يرى العالم يوما ما محاولة من الجنرالات للاستيلاء على السلطة، وربما الأحاديث التي جرت بين الجنرال ميلي ونظيره الصيني، غداة أحداث السادس من يناير كانون الثاني الماضي، أي نهار السطو على الكونغرس أظهرت قابلية هذا الاحتمال للتحقق، حال أدرك العسكر هناك كارثية القيادة السياسية المدنية.

والشاهد أن مشاهد الخطر الأميركي لا تتوقف عند هذا الحد، بل حكما تتجاوزها إلى ما هو أشد هولا، ذلك أن المجتمع الأميركي يكاد يتحول إلى فسطاطين متصارعين، على أسس من الهويات العرقية والطائفية، السياسية والطبقية، ما بين جمهوريين وديمقراطيين، كلاهما غاضب من الآخر، وعلى استعداد لمواجهة الآخر بالعنف المسلح، وهذا ما أشار إليه مؤخرا أحد أساطين المحافظين الجدد روبرت كاجان، في تشخيصه للصراع القادم حكما مع الانتخابات الرئاسية القادمة، وبعد انتخابات رئاسية سابقة، تركت مجتمعا منقسما على ذاته، وروحا أميركية متشظية في داخلها.

لم يفلح الرئيس الأميركي بايدن في رأب الصدع الذي جرت به المقادير في البلاد بعد نحو عام من رئاسته، هذا على الصعيد الداخلي، فيما إخفاقاته على الصعيد الخارجي تتزايد يوما تلو الآخر، والفشل يلاحقه في ميادين الأعداء الظاهرين، لا سيما من موسكو إلى بكين، وصولا إلى بعض من كبار الحلفاء الأوروبيين مثل فرنسا التي أضحت جاهزة للتغريد بعيدا عن سرب الناتو عما قريب.

ولعل الخطر الرئيس في أميركا اليوم يحدق بها من جراء إشكالية تعاظم ديونها، والصراع ما بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن رفع سقف الدين.

يبدو المستقبل الأميركي مخيفا في ظل ديون خارجية تجاوزت الـ 28.5 تريليون دولار، وهو رقم خرافي يعني ببساطة شديدة أن كل طفل يولد اليوم، سيضحى مديونا بمبلغ 150 ألف دولار بمجرد أن يرى النور.

وعلى الرغم من المحاولات الجادة التي جرت لانتشال الاقتصاد الأميركي من وهدته، خاصة بعد عامين من تفشي جائحة كوفيد- 19 المستجد، إلا أن ارتدادات أزمة الديون، وما يمكن أن يترتب عليها في المستقبل القريب بالنسبة للاقتصاد الأميركي، تركت أثرا سلبيا على حالة الاقتصاد الأميركي بشكل عام.

عطفا على ذلك فإن هناك حديثا علنيا وليس خفيا عن المشاكل التي ستقابل سلاسل التوريدات الخاصة بالغذاء والدواء في العامين القادمين، وهي قضية باتت تشغل تفكير النخبة عطفا على العوام، ما يجعل مراجعة التوجهات النيوليبرالية الأميركي أمرا حتميا من الأميركيين إن أرادوا النجاة من الغضب الساطع القادم حكما، خاصة مع اتساع الهوة والفوارق الاقتصادية في صفوف الشعب، وبملمح وملمس من الهويات المتصارعة، تلك التي توقف معها فرنسيس فوكاياما في مؤلفه الأخير، وجميعها تكاد تؤذن بمغيب شمس الإمبراطورية الأميركية التي ارتكزت في نشوئها وارتقائها على مفهوم "بوتقة الانصهار"، ومن قبل أي منطلق ذهني آخر.

والثابت أن واشنطن التي اعتبرت أن القوة الخشنة هي عمادها الرئيس، ولم تحفل كثيرا بسياقات القوة الناعمة، تلك التي تحدث عنها طويلا المفكر الأميركي الكبير جوزيف .أس . ناي "ها هي اليوم تعاني من اكتشاف كعب أخيل في وسط صفوف جنودها".

في الأول من أكتوبر تشرين الأول الجاري، قالت صحيفة "نيويورك بوست"، إن هناك ظاهرة مخيفة ومقلقة تتمثل في أن أعداد حالات الانتحار في الجيش الأميركي قفزت بنسبة 15% العام الماضي، حيث شهدت زيادة كبيرة بين جنود القوات البرية ومشاة البحرية، فيما وصف كبار قادة الجيش هذه الزيادة بالمقلقة، داعين لبذل المزيد من الجهود لوقفها.

هل يدفع الأميركيون أكلاف حروبهم الخارجية في العقدين الماضيين من الحالة النفسية والعقلية لجنودهم العائدين من مغامرات أقل ما توصف بالفشل، وحالة أفغانستان خير دليل على ذلك؟

ما تعاني أميركا بشدة منه اليوم، هو غياب المفكرين العضويين، أولئك القادرين على استشراف حال ومآل الدولة الأميركية، مفكرين من عينة زيجينو بريجنسكي، صاحب مؤلف Stratigic Vision:America and the crisis of global power سلبت أميركا لب العالم وسيطر الحلم الأميركي على البشرية بقوتها الناعمة.. هل يراجع الأميركيون أوراقهم من جديد لنفض الأزمات والخلاص من الخطر؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.