.
.
.
.

تجديد الخطاب غير الديني

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

إذا كتبت عبارة «تجديد الخطاب» على محرك البحث «جوجل»، فإنه سيقترح عليك فورًا استكمال تلك العبارة بكلمة «الدينى»، أما تلك العبارة المكتملة «تجديد الخطاب الدينى»، فستجد لها أكثر من مليون رابط على هذا المحرك وحده.

لا توجد مقترحات من محركات البحث الرائجة بخصوص تجديد الخطاب سوى ما يتعلق غالبًا بالخطاب الدينى، وهو أمر يعكس موقفنا فى مصر، وغيرها من الدول العربية، من مجمل الخطابات العمومية التى نتعامل معها باعتبارها كلها صالحة ومتسقة مع مقتضيات العصر باستثناء الخطاب الدينى، الذى نعتقد أنه الوحيد الذى يحتاج تجديدًا والأولى بتركيز اهتمامنا لتطويره وتغييره.

والواقع أننا بحاجة ماسة لتجديد خطابنا المؤسسى والعمومى لمقابلة مستجدات مهمة تتعلق بطبيعة الأجيال الشابة التى ما زلنا نخاطبها بنفس مفرداتنا، رغم أنها تختلف عن الأجيال الأكبر جملة وتفصيلًا.

على مدى السنوات الخمس الماضية أتيحت لى الفرص للتفاعل مع شابات وشبان فى عمر العشرين، من خلال التدريس فى نحو أربع جامعات خاصة، وقد وجدت أنهم يتحلون بسمات مغايرة تمامًا لما اتسمت به الأجيال السابقة، وكان بالإمكان أن أعزو ذلك إلى اشتراكهم فى سوية اجتماعية واقتصادية معينة، مكنتهم من الالتحاق بتعليم جامعى مكلف وعلى درجة من الجودة. لكن هذه الفرضية تزعزعت عندما أُتيحت لى فرصة أخرى على مدى الشهرين الفائتين لتدريب مجموعات كبيرة من طلاب الجامعات العامة المنتشرة فى أقاليم مصر المختلفة، وقد توصلت إلى نتيجة مفادها أن السمات التى يتشاركها أبناء هذا الجيل متشابهة رغم الفروق الاجتماعية والاقتصادية، وأن ذلك يحتم علينا مراجعة خطابنا الموجه إليهم ليس فى المجال الدينى فقط، ولكن فى غيره من المجالات.

ومن الملاحظات الجديرة بالذكر فى هذا الصدد أن أبناء هذا الجيل ينطوون على نسق قيم خاص، ولغة تخاطب مختلفة، ورموز نجهل معظمها، واهتمامات لا تشغل الأجيال الأكبر سنًا.

ورغم أن هذا الجيل يتوزع على بيئات اجتماعية واقتصادية متباينة، وتتفاوت المستويات التعليمية والثقافية لأبنائه تفاوتًا كبيرًا، فإن تلك السمات الجامعة، والتى تتصل تحديدًا بالقيم والرموز العالمية السائدة، تبدو عاملًا مشتركًا بين قطاعات كبيرة فيه.

يبدو لى أن الجيل اليافع والأصغر سنًا أكثر ابتعادًا عن تقبل الأخطاء التى نرتكبها أو نتعايش مع وجودها، وأقل قدرة على فهمها أو إيجاد ذرائع لها، وأنه ينصرف إلى حالة من الغضب والذهول والشعور بالعجز حيالها، وللتحايل على ذلك، فإنه يلجأ إلى السخرية منها وتحويلها مادة للضحك.

ومن سمات أبناء هذا الجيل الواضحة: الميكافيللية (الغاية تبرر الوسيلة)، والنفاذية (يتعرضون لمصادر معلومات ورؤى لا يحدها حد ولا يضبطها ضابط)، والجرأة والوضوح (ليست لديهم مخاوف جيلنا التقليدية عند التعبير عن الآراء الصادمة وغير المألوفة)، والاستخفاف بتجربتنا وما آلت إليه (تقييم نتائج أدائنا العمومى، من دون اعتبارات عاطفية).

سيقول علماء الاجتماع إننا بصدد تحول اجتماعى عميق، ينتج أجيالًا ذات سمات مغايرة، وبسبب السياق الذى تنمو فيه عقولهم وتجاربهم، ونتيجة للتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية الحادة التى يتعرضون لها فإنهم لا يشاركوننا القواعد الاجتماعية Social Norms التى نعتقد أنها تحكم سلوكنا.

وهذا الأمر يبدو مفهومًا بطبيعة الحال؛ فعبر التغيرات الاتصالية الحادة والعميقة، تتأثر القيم السائدة فى أى مجتمع، وتنزع نحو منظومة من التقاليد والرموز العالمية، التى باتت محل ثقة واهتمام ورواج بين قطاعات الأجيال الجديدة.

وبسبب هذا النزوع لا ينفذ خطابنا العمومى إلى أبناء الأجيال الجديدة، ولا يؤثر فيهم على نحو إيجابى، وربما يدفعهم إلى المزيد من العزلة والفردانية ويأخذهم بعيدًا عن الانتماء والمشاركة.

نحن بحاجة ماسة إلى إدراك تلك التغيرات، وإلى تطوير خطابنا العمومى عبر مؤسساتنا كلها، إذا أردنا أن يظلوا لنا ومعنا.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.