.
.
.
.

تصريحات المرزوقي.. آخر نداء استغاثة يطلقه الغنوشي

حكيم مرزوقي

نشر في: آخر تحديث:

كل الردود التي أثارتها كلمة الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي خلال تجمع ضم عددا من الأشخاص وسط باريس، والتي طالب فيها فرنسا بأن ترفض تقديم أي دعم للرئيس قيس سعيد الذي يمثل “نظاما دكتاتوريا” على حد زعمه، يمكن أن تكون حماسية ومتشنجة أحيانا، خصوصا من أنصار سعيّد ومؤيديه الذين يمثلون الغالبية الساحقة في الشارع التونسي بمختلف ألوانه ومكوناته كما يؤكد المراقبون وتشير استبيانات الرأي، لكن رد نقابة السلك الدبلوماسي التونسي، في بيان لها، جاء رصينا وفي محله حين اعتبرت تصريحات المرزوقي “مخلة بواجب التحفظ وتمس مصالح البلاد”، واصفة إياها بـ”المشينة” حين “دعا سلطات دولة أجنبية لاتخاذ تدابير عقابية ضد بلاده”.

وبناء على هذا التوصيف، دعت النقابة إلى سحب جواز السفر الدبلوماسي من الرئيس الأسبق الذي يتمتع بامتيازات عديدة يضمنها الدستور الذي وقّع عليه هو بنفسه سنة 2014، كحليف حركة النهضة ومرشحها للرئاسة.

تأتي رصانة هذا الرد ووجاهته من كون الدبلوماسية التونسية تدرك وتعي معنى الالتزام الأخلاقي قبل الاصطفاف السياسي، ذلك أنه من المشين أن يستعدي رئيس سابق بلدا أجنبيا ضد رئيس حالي منتخب بطريقة ديمقراطية لا تقبل الجدال.

هذا في ما يتعلق بالأعراف والأخلاقيات عموما، ومن وجهة نظر دبلوماسية بحتة، أما في ما يخص القراءة السياسية المتعلقة بالظروف والملابسات، فإن الرجل الحامل لجواز سفر دبلوماسي تونسي، يقف اليوم، وسط العاصمة الفرنسية أمام جمع من مؤيدي حركة النهضة، ويطلب من الدولة الفرنسية، بكل ما تعنيه من خصوصية تاريخية في علاقتها مع تونس، التدخل غير المباشر في رفض أيّ دعم يمكن تقديمه لبلاده.

يأتي هذا التحريض ضد الرئيس التونسي سعيد، في ظروف بالغة الدقة والحساسية قبيل الإعلان عن التشكيلة الحكومية التي ينتظرها الداخل والخارج، وعلى مسافة أسابيع من القمة الفرانكفونية التي ستستضيفها تونس، وما يمثله ذلك من مراهنات على آمال مرتقبة على الأصعدة الأمنية والاقتصادية وغيرها.

لماذا لم يتجرأ المرزوقي على هذه “المجاسرة” حين كان معارضا للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ويؤلب فرنسا ضده أو يدعو التونسيين إلى الخروج في مظاهرات أو الدخول في عصيان مدني كما يدعو الآن؟

لماذا يمضي بعيدا نحو تقديم المقترحات “إنقاذ البلاد من الحكم الدكتاتوري، والتحذير من مغبة السقوط في النموذج المصري” كما يزعم، والحال أن الشأن الديمقراطي ظل مصانا ولم تشتك أيّ جهة حقوقية في تونس من تجاوزات رغم حساسية الظرف واستثنائية الحالة.

يبدو أن المدخل الذي اختاره المرزوقي لمخاطبة فرنسا والعالم الغربي عموما، صار مستهلكا بل ممجوجا في ما يخص الحريات والاستثمارات والتحذير من الانهيارات الاقتصادية والأمنية، ذلك أن فرنسا تدرك، قبل غيرها، أن تونس وضعت على الطريق الصحيح حين قرر رئيسها اجتثاث أصل الخلل عبر قطع الطريق أمام الإسلاميين وحلفائهم من بارونات الفساد.

الواضح أن المرزوقي بمثابة “صندوق بريد” يحمل رسالة استغاثة أخيرة لراشد الغنوشي والذين مازالوا معه من حركة النهضة المتهالكة.

وما اقترحه من مخارج ومقاربات “تضمن العودة إلى الديمقراطية” لم يعد له من آذان ولا مصدقين في فرنسا وغيرها، خصوصا بعد نجاح السياسة المصرية على الصعيد الإنمائي، إثر تخلصها من الكابوس الإخواني، وتهاوي الكيانات والأحزاب الإسلامية في أكثر من بلد.

لم يعد بعبع التحذير من غياب الحريات وانتشار الفوضى يخيف الأوروبيين بل أدركوا أن تونس، ذات المجتمع المدني اليقظ، لا يخشى عليها من التراجع في المجال الحقوقي، وإنما لا يتهددها إلا الفساد الذي لازم حكم حركة النهضة طيلة العشرية الأخيرة.

أما الرسالة التي يريد المرزوقي تبليغها إلى الداخل فلقد تلقاها التونسيون بالمزيد من الاستنكار والاستهزاء إلى درجة أن المستهدف الأول الرئيس سعيد، يبدو أقل غضبا من الشارع التونسي. والغريب أن الرئيس الأسبق مازال يتمسك بكليشيهات وصفها محللون بالهذيانات والسلوك الدونكيشوتي، غير آبه بحقيقة مفادها أن شعبيته لدى الشارع التونسي وصلت إلى الصفر في عمليات سبر الآراء.

الأمر الذي يعد موغلا في الخطورة والكيدية السياسية أن المرزوقي لا يتوقف عند استعداء فرنسا للرئيس سعيد وضرب عرض الحائط بالمواثيق والأخلاقيات الدبلوماسية بل دعا قبل أيام قوات الجيش والأمن التونسي للتخلي عن الرئيس سعيد، إلى حين التمكن من “عزله ومحاكمته”.

كيف يحذر المرزوقي من انقلاب ثم يدعو إليه؟ سؤال في عهدة كل ذي عقل راجح وتحليل رصين.

الواقع أن هذا الرجل الذي عرف في السابق حقوقيا، ومعارضا شرسا لنظام بن علي، فقد مصداقيته بل وصار محل سخرية في الشارع التونسي بسبب خطابه التهريجي واستفزازاته المتكررة للتجربة الديمقراطية في تونس باسم الديمقراطية نفسها.

ويقف خلف هذا الخطاب التحريضي الغنوشي وجماعته بطبيعة الحال، وذلك في محاولة يائسة تستجدي عودة الغنوشي ولو إلى المقاعد الاحتياطية في البرلمان، كما يستدل على ذلك في دعوته “ليس هناك خيار آخر سوى عودة البرلمان وتنحي رئيسه الغنوشي وتسليم مهامه لرئيس تقبله جميع الأطراف السياسية، واستقالة سعيد أو إقالته على طريقة بوتفليقة”.

صفوة القول إن الرئيس المؤقت الأسبق مثل الذي يدعو للصلاة ولا يصلي.. يدعو لدولة المؤسسات وصون الحريات ثم يحرض على رئيس منتخب ديمقراطيا، ويدافع عن جماعة لا تؤمن بالحريات ولا دولة المؤسسات.. وفوق ذلك كله، فعل ما لم يفعله، أو يتوقع منه فعله، زمن إقامته في فرنسا كمعارض لبن علي، الذي لم يناصبه العداء كما يناصب سعيد اليوم، ولم يستقو عليه بالخارج.. هل يستقوي المرزوقي على الديمقراطية التونسية الناشئة بالديمقراطية الفرنسية العريقة أم أنه آخر صرخة استغاثة يطلقها الغنوشي؟

نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.