.
.
.
.

طريق تونس الوعر

جيمس زغبي

نشر في: آخر تحديث:

حين أقال الرئيس التونسي قيس سعيد رئيس الوزراء وقام بتجميد أعمال البرلمان، أعلن الرئيس أنه يستهدف بهذا «استعادة السلام الاجتماعي وحماية الدولة». وأمسكت سلسلة من الأزمات بتلابيب ما اعتبره كثيرون قصة النجاح الوحيدة فيما عرف باسم «الربيع العربي». فلم يجر تحصين إلا 7% من سكان تونس باللقاحات ضد كوفيد-19 والاقتصاد متدهور، وهناك فساد حكومي واسع النطاق واحتجاجات شعبية كبيرة. وبعد أسابيع قليلة، في أغسطس وسبتمبر، أجرت مؤسسة «زغبي للخدمات البحثية» مسحاً على 1551 تونسياً راشداً لفحص الرضا الحالي والتفاؤل بشأن المستقبل وأهم الأولويات والتأييد للحكومة في معالجة هذه الاهتمامات وأزمة الحكم الحالية والطريق إلى المستقبل.

ووجدنا أن التونسيين غير راضين عن وضعهم الحالي. وذكر 71% من التونسيين أن حياتهم كانت أفضل قبل ثورة 2010، في تعبير عن استيائهم العميق لما وصل الحال إليه. ومن الواضح أن التونسيين يلقون باللائمة على حكومة رئيس الوزراء هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي. وتأييد التونسيين لحكومة المشيشي كان منخفضاً للغاية في معالجتها للأولويات الثلاثة العليا للخاضعين للاستطلاع، وهي السيطرة على الجائحة (22%) والاقتصاد (13%) والقضاء على الفساد (22%).

والآراء منقسمة بالتساوي حول تصرفات سعيد في إقالة المشيشي وتجميد أعمال البرلمان وعن اهتمامه بالديمقراطية التونسية. وتؤيد أغلبية كاسحة من التونسيين إصلاح الدستور وقانون الانتخاب وإجراء انتخابات مبكرة. ولا يريد التونسيون استعادة النظام كما كان، لكنهم يميلون إلى تأييد نظام رئاسي أكثر من ميلهم إلى تأييد نظام برلماني.

وتجري مؤسسة زغبي للخدمات البحثية استطلاعات للرأي في تونس منذ عام 2011، وفحص النتائج السابقة يظهر مدى تغير الرأي العام على مدار العقد الماضي. ففي عام 2011، بعد قليل من الثورة، كان 54% من التونسيين يثقون في أن بلادهم تسير على الطريق الصحيح. والنسبة الباقية كانت ترى أن الوقت سابق لأوانه للقطع برأي. لكن بحلول عام 2013، ذكر 83% من التونسيين أنهم كانوا مفعمين بالأمل عام 2011، ولم يظل إلا 39% مفعمين بالأمل، بينما عبر 55% عن خيبة رجائهم. وذكر 27% فقط أن تونس تسير على الطريق الصحيح.

وهذا التراجع في درجة الرضا عكس الصورة عن الحزب الحاكم في ذاك الوقت، حزب «النهضة»، باعتباره غير فاعل في معالجة قضايا البلاد الرئيسية. وكان تقييم ثلثي الخاضعين للمسح ضعيفاً لأداء الحكومة في تعاملها مع الاقتصاد وحماية الحقوق المدنية والشخصية والتصدي للتطرف والفساد. ولهذا، لم يعبر من التونسيين عن ثقتهم في حزب النهضة إلا 28% فقط، رغم ضعف ثقتهم في كل الأحزاب السياسية والبرلمان. وعلى خلاف مصر التي كان فيها الاعتراض على حكومة «الإخوان المسلمين» بقيادة محمد مرسي سببه الأساسي هو الطابع الأيديولوجي لقائمة أولويات الجماعة، كان سبب خيبة أمل التونسيين في حزب «النهضة» هو فشله في الحكم باقتدار وفشله تحقيق وعود الثورة.

وبحلول عام 2018، ذكر 20% فقط من التونسيين أن البلاد تسير على الطريق الصحيح، وذكر 21% أنهم أفضل حالاً عما كانوا عليه قبل خمس سنوات، والثقة في البرلمان انخفضت إلى 25%. وفي عام 2019، في غمرة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، تصاعد تفاؤل التونسيين إلى أكثر من 50% لأول مرة منذ عام 2011. لكن هذا التفاؤل انهار بحلول عام 2021، مع فشل الحكومة في التعامل مع الجائحة والاقتصاد والفساد. وما يتضح من عقد من استطلاعات الرأي في تونس لأن هناك ثقافة ديمقراطية منتعشة في البلاد، فإن الرأي العام قد يكون متقلباً إلى حد كبير.

التونسيون غير راضين بعمق عن فشل حكومة المشيشي وعدم قدرتها على معالجة أكثر مشكلات البلاد إلحاحاً. والتونسيون ليسوا متفقين على الطريق إلى المستقبل، لكن هناك اتفاق آراء قوي على إصلاح قانون الانتخابات والدستور وإجراء انتخابات مبكرة. وصحيح أن الثقة في الرئيس أكبر من الثقة في رئيس البرلمان أو رئيس الوزراء، لكن يجب على الرئيس قيس سعيد إدراك ضيق الوقت أمام إدخال تغيرات هيكلية وتلبية الحاجات الأساسية في حياة سياسية شديدة الانقسام ولا تهدأ.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.