.
.
.
.

مرحلة على الأبواب

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

كانت حرب الاستنزاف تهديدًا فاعلًا للقوات الإسرائيلية فى سيناء، ورسالة واضحة أمام العالم كله بأن حرب الخامس من يونيو ليست نهاية المطاف وأن الجيش المصرى يستعيد قوته وجاهزيته لعمل واسع وكبير، وقد ثبت فيما بعد أن حربا مشابهة فى جنوب لبنان وكذلك فى غزة دفعت الجيش الإسرائيلى إلى انسحاب مفاجئ وسرى، لكن حرب الاستنزاف والأداء الباسل للمقاتلين المصريين ترافق مع أمر آخر، هو تدهور الحالة الصحية للرئيس عبدالناصر.

الملف الصحى لأى رئيس أو حاكم يكون موضع تتبع دقيق من خصومه السياسيين ومن حلفائه وأصدقائه أيضًا لضمان مستقبل العلاقات، فضلًا عن أعدائه الذين يودون الخلاص منه وإزاحته بأى طريقة، وكذلك بعض أولئك الذين يطمحون لخلافته وشغل موقعه، إن لم يكن الحفاظ على مواقعهم التى يشغلونها بالفعل.

وفى حالة عبدالناصر، فقد ثبت أن الهزيمة زادت من تعاطف الجماهير معه وتمسكهم به، بل إن الهزيمة أسقطت مقولة إن نظامه وإنه شخصيا كان محميًا عسكريًا بالجيش.. بعد الهزيمة كان الجيش فى أضعف حالاته وناوأه عبد الحكيم عامر وأعوانه، لكنه استمر فى الحكم بإصرار الشارع وحمايته، وهكذا لم يعد من أمل لدى أعدائه فى الخلاص منه إلا بالموت، ومن ثم تصبح متابعته صحيا مسألة ضرورية للغاية؛ ولم يكن خافيا على أحد أن عبدالناصر أصيب بمرض «السكرى».. الشائع أن المرض اكتشف لديه بعد الانفصال عن سوريا سنة ٦١ وفشل تجربة الوحدة.. لكن طبقا للصحفى الراحل حلمى سلام، مدير تحرير مجلة «المصور»- وهو صديق قديم لعبدالناصر وظل مقربًا منه حتى سنة ٦٤- ذكر أن الرئيس أصيب بهذا المرض اللعين أثناء العدوان الثلاثى سنة ١٩٥٦، فى تلك الفترة لم يكن علاج هذا المرض أو التعايش معه سهلا وميسورا كما هو الحال الآن.. مريض السكر لابد أن يكون بعيدًا عن الإجهاد البدنى، وأن يتجنب التوتر العصبى والإرهاق النفسى، ولكن حدث عكس ذلك تماما معه، ابتداء من يوم الخامس من يونيو.

ويبدو أن هذا المرض- طبقا لبعض الروايات- خرج وقتها عن حدود السيطرة، وظل كذلك لفترة، كانت الهزيمة قاسية جدا.. ثم ما جرى بعدها مباشرة من محاولة الصديق الأقرب من التآمر عليه مع بعض صغار الأفق والفهم، وتلك حكاية أخرى تستحق دراسة خاصة تضبط وقائعها بعيدا عن بعض الترهات والأكاذيب التى ترددت حولها؛ فى شهر سبتمبر ٦٧، أصيب عبدالناصر بظهور بثور فى جسده، كانت شديدة الإيلام له، إذا تعرضت لأى احتكاك بالملابس، وطبقا لرواية الرئيس السادات فى سيرته الذاتية تمت الاستعانة بأطباء من مختلف أنحاء العالم، إلى أن توصل طبيب إنجليزى للعلاج، الحقن بالهرمونات المضادة لمدة شهرين، وطبقًا للسادات كان العلاج مؤلما للغاية وكانت له بعض الآثار الجانبية المؤقتة.. لكن ماذا كان تشخيص الطبيب وما دلالة هذه الحالة عضويًا وعصبيًا؟ ليست لدينا أى تفاصيل، المهم أن الطبيب المعالج إنجليزى، جرى استدعاؤه من لندن رأسا، ولا يعقل أن يبقى الأمر مخفيا، ليس لأن الطبيب واشٍ، ولكن مثل هذه الأمور لا تبقى سرًا، على الأقل لابد أن تكون السفارة البريطانية هنا أحيطت علما بوجود الطبيب البريطانى، والباقى سهل.

بعدها أصيب الرئيس بآلام الساقين المبرحة، ثم سافر للعلاج بالمياه المعدنية فى إحدى المصحات الروسية «سخلطوبو»، وقد تحدث عن هذا العلاج محمد حسنين هيكل بالتفصيل فى كتابه «عبد الناصر والعالم»، وفى سنة ٦٩ تعرض الرئيس لأزمة قلبية حادة، هكذا كان تشخيص الفريق الطبى الذى تابع الحالة. ونشرت «الأهرام» فى الصفحة الأولى خبر إصابة الرئيس بأنفلونزا وأعلنت عدم إجراء استقبالات.. هنا وعلى الطريقة المصرية الموضوع فيه «إن»، وبشكل ما بات واضحًا للمواطنين أن صحة «الريس».. «أبو خالد» ليست بخير، ولما جاء طبيب القادة السوفيت د. شازروف أيد تشخيص الأطباء المصريين وأسر إلى المسؤولين فى مصر بأن الأزمة التى تعرض لها الرئيس من النوع الخبيث، وطبقا لما ورد فى كتاب السادات «البحث عن الذات»، صفحة ٢٦٠.. «إنه لن يعيش بها طويلًا».

مرة أخرى، مع هواية البعض الثرثرة ومحاولة إثبات أنهم على علم بالخفايا إلى حد اختلاق أو توهم بعض الأمور أحيانًا، لا يمكن لمثل هذا الأمر أن يبقى سرًا بالنسبة لأجهزة المخابرات الكبرى والدوائر السياسية العالمية، التى كانت تعد على عبدالناصر أنفاسه، وكانت هناك إسرائيل التى تراه عدوها اللدود؛ وفى القاهرة سفارات كبرى فيها عيون ترصد، وآذان تسمع، وأنوف تشم على مسافات بعيدة.. وعمومًا فيما بعد سوف نكتشف أن الأمر كان مرصودًا بدقة ومعروفًا على نطاق واسع.

الأخطر من ذلك أن مسؤولا رفيعًا وفى حالة صحية على هذا النحو، كثير الأعداء والخصوم الذين يتمنون الخلاص منه، لا يكون من الصعب اصطناع أزمة كبرى تستثير أعصابه وتنهك قواه ثم تودى به.. وهنا علينا أن نعيد دراسة تفصيلية لأزمة «أيلول الأسود»، والأصابع التى كانت خلفها.. هل كانت أزمة حقيقية أم جرى تدبيرها؟ لقد تحدث البعض عن إمكانية دس السم لعبد الناصر، لكن الأجهزة الشريرة لا يمكن أن تكون ساذجة إلى درجة الإقدام على محاولة من هذا النوع، خاصةً أنه يمكن اكتشافها، فحتى لو نجحت يمكن بالتشريح وتحليل الخلايا الوصول إليها، فى جعبتهم الكثير والأشد تعقيدا وصعب الاكتشاف: إماتة دون قتل مباشر.

وسط هذا كله، اختفى من المشهد الرئيس الأمريكى جونسون الكاره لعبدالناصر بشكلٍ شخصى وعدوانى، وكاره للعرب عمومًا؛ فضلا عن انحيازه المطلق وتوحده التام مع الحكومة الإسرائيلية، وجاء الرئيس ريتشارد نيكسون الذى لا يحمل عداء تجاه عبدالناصر وحكومته، فضلا عن أنه وعد بإنهاء حرب فيتنام.. باختصار يحمل وعدا بالسلام، صحيح لم يضع ملف الصراع فى المنطقة بين أولوياته، لكنه ليس عدوانيا ولا يحمل مشاعر ثأرية نحو بلادنا؛ فى هذا السياق جاء «برنارد لويس» يبحث عن إمكانية السلام بين مصر وإسرائيل، لكن الواضح من خلال ما كتبه أنه كان يبحث كذلك فى مستقبل مصر بعد عبدالناصر أو فى غير وجوده، المستقبل الذى تحدث عنه وتمناه ليس فيه عبد الناصر ولا نظامه؛ هو مشغول بالسلام لكنه يعرج على ملف العلاقات المصرية- السوفيتية، ويذكر أن السوفيت تغلغلوا فى كل شىء بمصر، ويعتبر ذلك تهديدا لمصر وللعالم كله، ثم يؤكد أن المصريين يرفضون ذلك التواجد؛ ويذهب إلى حد اعتبار أن مصر تحت الاحتلال الروسى.. هكذا بالنص.. ويقارن بين الاحتلال البريطانى لمصر والاحتلال الروسى لها، وهذا جعله بغباء مطبق يقارن بين الخديو إسماعيل وجمال عبد الناصر، رغم أن الأول خرج من مصر معزولًا ومنفيًا، بينما الثانى تقدم باستقالته وأعاده المصريون، بالأحرى رفضوا الاستقالة، وهناك قصيدة كتبها صالح جودت وغنتها أم كلثوم، القصيدة نداء لعبدالناصر«اِبقَ فأنت الأمل الباقى»، يؤكد لويس أن المصريين ينتقدون الروس سرًا وأنهم كانوا ينتقدون عبدالناصر بسهولة، لكن لا يجرؤون على ذلك بالنسبة للروس، يقول: «كان الناس يبدون أكثر تخوفا من انتقام الروس أكثر من خوفهم من انتقام حكامهم».. لم يذكر حالة انتقام روسية واحدة تجاه مواطن مصرى تبرم بوجودهم، ثم يضيف: «بعض من يتعاملون معهم مثل ضباط القوات المسلحة يشكون من فجاجتهم وعجرفتهم»، ولا يتردد فى القول: «هناك اعتقاد عام بأن عبدالناصر يحتاج الروس لأنهم يبقونه فى السلطة».. هذه كلها انطباعات ساذجة أو رسائل مفخخة تفتقد التدقيق والتعمق، غير أنه يقدمها ليست كانطباعات أو حتى ملاحظات خاصة، إنما يطرحها واثقًا وقاطعًا باعتبارها حقائق نهائية.. من ذلك أيضا زعمه أن الغالبية فى الشارع المصري- سنة٦٩- تؤيد جماعة الإخوان، بالطبع لو سأله أحد وقتها: من أين جاء بذلك التأكيد؟، سوف يمتنع بزعم حماية مصادره من «بطش النظام الناصرى»، أو ربما ذكر أنه لا يسأل عن مصادره..

عمومًا، هو أراح نفسه وأراح الجميع بأن نشر الدراسة باسم حركى، جنّب نفسه أى سؤال، لم يعلن عن نسبة المقال له إلا بعد عقود.

نشر التقرير على هذا النحو وفى دورية غير منتشرة يكشف أن تقريره كان مقصودا به قراء ومتابعين محدودين، وكان أقرب ما يكون إلى دعوة لخطة أو خطط عمل، وليس فتح مجال للحوار أو للنقاش.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.