.
.
.
.

هَلَع في ليلة العُطْل الكبير

سعاد فهد المعجل

نشر في: آخر تحديث:

في الأسبوع الماضي توقّفت وسائل التواصل الإلكتروني فأصاب العالم الهَلَع والذعر والخوف من احتمال أن يستمر مثل هذا التوقّف وتنقطع معه قنوات التواصل التي أدمن عليها الناس وبشكل حوّلها من كماليات الى ضروريات لا يمكن للحياة أن تستمر بدونها.

البيت الأبيض يتابع بقلق.. ويعلّق بأكثر من تصريح.. ووكالات الأنباء تَتَقاذف الخبر ومارك زوكربيرغ.. مالِك الفيسبوك يخسر سبعة مليارات دولار دفعة واحدة، واقتصاد العالم يفقد ملايين الدولارات.. بحيث تكبّد ما يزيد على 160 مليون دولار في أول ساعتين من ليلة العُطْل الكبير كما أطلَقَت عليه الصحافة والإعلام.

حتى الآن لا يزال السبب الرئيسي وراء هذا العُطْل مجهولًا.. وكل ما فعلته فيسبوك وغيرها هو مجرد تقديم الاعتذار للعالم على هذا الخلل.

والسؤال الذي تبادر ربما للكثيرين يتعلّق بمدى تحكّم وسيطرة الإنترنت وملحقاته على الشأن البشري بشكل عام.. وعمّا إذا كان مثل هذا الانغماس البشري في التكنولوجيا.. والتعوّد الى درجة الاعتماد المُطلَق على التواصل الافتراضي.. هو نوع جديد من العبودية.. أم أنه فرصة للإبحار في فضاء مفتوح من الحرية المُطلَقَة.

لا يختلف اثنان على أن عالم التكنولوجيا وبالتحديد الإنترنت هو عالم هائل ومفتوح مجانًا للجميع.. وبأنه قد وفّر الكثير من المال والجهد الذي يتطلّبه عادة البحث في المعلومة والخبر تحت أي عنوان.. وبلا تكلفة أو جهد.

لكن في الوقت نفسه يحذّر علماء نفس كُثُر وباستمرار من أن استخدام الإنترنت لأكثر من ساعتين في اليوم يُعَد حالة من حالات الإدمان التي تَتَطلّب العلاج.. ووفقًا لذلك فإن العلاج إذن سيكون مطلوبًا للغالبية العظمى من البشر؛ لأن الجميع يتجاوز خانة الساعتين يوميًا بصحبة الإنترنت وتوابعه.. من فيسبوك الى انستغرام وتويتر وسناب وغيرها.

من المؤكّد.. وطبقًا لدراسات كثيرة فإن هنالك مساوئ للانترنت قد تفوق في بعض الأحيان محاسنه.. فيكفي انه قد خَلَق عالمًا افتراضيًا موازيًا للعالم المحسوس.. وجعل الجميع يعيش طوال الوقت في إطار شخصيتين أو أكثر.. شخصية العالم الواقعي المحسوس.. وشخصية البروفايل وما نَضع عليه من صور ومعلومات.. مع كل ما يعنيه ذلك من إزدواجية انعكَسَت وكما نرى ونسمع على الحالة النفسية والسيكولوجية للكثير من البشر.

قد يكون أكثر ما يخيف في الإنترنت ـــ وهو ما أكّدته حالة الذّعر التي أثارتها ليلة العُطْل الكبير ـــ هو في حجم العبودية التي رسّخها الإنترنت لدى أغلب البشر.. فنحن جميعًا أصبحنا اليوم أسرى وعبيداً لتكنولوجيا وأدوات تواصل وأسلوب حياة افتراضي تقبّلناه وجعلنا منه واقعًا مقبولًا.. حتى أصبح الخَلَل في أجهزتنا مصدر ذعر وتوتّر وقلق.. نسعى وبكل ما لدينا من أدوات لإصلاحه فورًا. وحتمًا سيأتي اليوم الذي سيتجاوز تأثير التكنولوجيا نفسيات وأمزجة البشر.. لِيَطول مظهر الإنسان.. وهو أمر توقّعه بعض العلماء الذين رسموا افتراضيًا صورة للإنسان عام 2100.. حيث صمّمَت إحدى الشركات نموذجًا ثلاثي الأبعاد لإنسان المستقبل بناء على فرضيات العلماء حول مدى تأثّر جسد الإنسان بِفِعل التكنولوجيا الحديثة.. حيث كَشَفَ ذلك النموذج عن هيئة الإنسان بمظهر أحدب بسبب الإفراط في الجلوس أمام الشاشات وانحناء الرقبة لفترات طويلة.

قد لن يكون بإمكان أي أحد اليوم الوقوف في وجه هذه الثورة الرقمية الهائلة التي اجتاحت المجتمع البشري في وقت قياسي مقارنة بالثورات السابقة كالثورة الزراعية أو الصناعية.. ثورة تقنية غيّرت حياتنا ومزاجنا وعقولنا وجعلت العالم بأكمله افتراضياً وغير محسوس.. مما جعل الكثير من الناس يصفون هذه الثورة بالفخ الذي أسقط البشرية في حفرة العبودية! فكانت ليلة العطل الكبير كارثية بكل المقاييس على أغلبية البشر.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.