.
.
.
.

الإرتياب المشروع... قصة من لبنان!

فيوليت غزال البلعة

نشر في: آخر تحديث:

فجأة، اقتحمت عبارة "الارتياب المشروع" كل القواميس اللبنانية، وباتت على كل شفة ولسان قاصٍ مهاجر أو هُجّر قسرا وانضمّ إلى فرقة المراقبين بحسرة، ودانٍ يقبع تحت نير أسوأ أزمات لبنان غير المسبوقة، والتي لا يوحي القادم من الأيام، بقرب أي انفراج أو تعاف.

خرج "الارتياب المشروع" أخيرا من دهاليز السلك القضائي ليعُتمد في كل تفصيل يومي للبنانيين لم يستفيقوا بعد فعلا على حجم الانهيار الذي بدأ فعلا وبشهادة أهل البيت السياسي، لا بل بدفع مباشر منهم، بدليل خروج حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من الحاضنة الإيجابية التي جاءت بها، ويخشى أن تصطف سريعا إلى جانب حكومات فشلت في إعادة إنهاض لبنان، إن بقيت عصا السياسيين تغرز أنيابها في دواليب الحياة السياسية والاقتصادية.

يحق لـ"الارتياب المشروع" أن ينتشر بأسرع من متحورات جائحة "كورونا" ليتفشى في الجسم المريض، ويبدّل أحوال لبنان "سويسرا الشرق" كما كان قبل نصف قرن، إلى "الدولة الفاشلة" كما تؤكد كافة المؤشرات التي دفعت البنك الدولي إلى تصنيف أزمة لبنان ضمن أسوأ 3 أزمات في العالم خلال الـ150 عاما الماضية.

من دون استئذان، اقتحم الارتياب المشروع الشارع الداخلي ليهزّ الاستقرار الأمني على وقع خلاف حول مصير قاضي التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار. فالارتياب حرّك مشاعر وشوارع الثنائي الشيعي على شكل تهديد مباشر وتظاهرة اعتراض سلمية على بقاء البيطار، وارتد ارتيابا مشروعا في الشارع المقابل حيال الأهداف التي تضمر طمس الحقيقة، على غرار ملفات الاغتيالات السياسية والانفجارات التي شرب عليها الدهر وأكلها النسيان. وكان الاحتكاك الأمني عند محور الطيونة-عين الرمانة "بروفة" عراضات واستعراضات حملت رسائل استحضار لحرب أهلية مضت، وتهديدات بفرض واقع بقوة السلاح.

وللارتياب المشروع أيضا فصول في العلاقة ما بين المنظومة الحاكمة والمجتمع الذي يتردد في هضم كل النوايا المعلنة بالإصلاح ومكافحة الفساد، لأن الواقع ينافي الشعارات وينقل مؤشرات مغايرة. فارتياب اللبنانيين كان مشروعا حين قضت السلطة على الطبقة المتوسطة على أسر مدخرات عمر علقت في مصارف، ارتابت بدورها بنوايا الدولة الإنقاذية، حين حاولت تحميلها كل الخسائر. واخترق الارتياب المشروع مصرف لبنان، بعدما نجحت الحملات السياسية في إبعاد الشارع عن تطمينات حاكم المصرف الذي اعتذر لاعتقاده بان قطار الإصلاح لا بد آت.

الارتياب كان مشروعا حين تراجعت القيمة الفعلية لليرة بنحو 90%، وتجاوز معدل التضخم المفرط سقف الـ400%، وبات 74% من اللبنانيين "فقراء"، وينتظر المقتدر منهم جرعات نقدية يتيحها تعميم مصرف لبنان تقسيطا بالدولار و"اللولار"، إلى حين تتيح الإصلاحات تحرير الودائع.

الارتياب كان مشروعا حين تبخّرت القدرة الشرائية بقدرة قادر وابتلعت مفاعيل الأجور وليس الحد الأدنى الذي تدنى من 950 ألف ليرة عام 2019 (627 دولارا وفق سعر 1515 ليرة/ دولار)، إلى أقل من 35 دولارا، وارتفعت البطالة لتلامس أكثر من 45% مع إقفال نحو 80% من المؤسسات وهجرة الشركات الأجنبية، وأيضا حين ارتفعت السرقات بنسبة 62% فيما إحصاءات معدل الجريمة والقتل تفيد بوقوع جريمة كل ساعة، من القتل إلى السرقة والنشل.

الارتياب كان مشروعا حين تقاعست الدولة عن تقديم أبسط الخدمات الحيوية، فحوّل الأكفياء من أطباء وممرضين ومهندسين وطلاب نحو قنوات الهجرة هربا من مستقبل يفتقر إلى كل مقومات النهوض.

للارتياب المشروع في لبنان قصة فريدة. فانتشاره داخليا، عاث أيضا بالعلاقة في الوسط السياسي حيث باعد ما بين المنظومة، وتحوّلت مجالس الحكومات والبرلمان إلى بازارات لمزايدات شعبوية زادت تأجيجا مع قرب الانتخابات النيابية.

ومن لبنان الى المجتمع الدولي، قصة أخرى للارتياب المشروع، ترجمتها وعود السياسيين التزاما بسلة إصلاحات تشفي غليل الدول الصديقة، وفي مقدمها فرنسا، وتأذن بفتح صناديق الدول المانحة إنعاشا لاقتصاد يئن تحت وطأة الركود، بما دفع صندوق النقد الى توقع انكماش بنسبة 9% عام 2021.

فهل يلحق الارتياب المشروع بمصير المفاوضات القائمة حول خطة التعافي، وهي خشبة الخلاص؟

في الخلاصة، لا مفرّ من إعادة هيكلة منتظمة على أساس برنامج منسق مع صندوق النقد لتشكل عنصرا حاسما للإصلاح المالي، على أن يكون خيار إعادة الهيكلة مرتكزا على إعادة هيكلة القطاع العام للحد من حاجاته الاقتراضية، وإنشاء صندوق سيادي من أصول الدولة بنحو 30 مليار دولار تستخدم لسد الفجوة المالية، وتعويم الليرة بما من شأنه تقليص حجم الدين المحلي والتفاوض على خصم معين من عائدات المستثمرين في سندات اليوروبوندز.

هذا الخيار، وفق تقرير "بنك عوده" الفصلي، كفيل بإعادة توزيع الخسائر الوطنية بطريقة عادلة ومنصفة، وبخفض الدين العام إلى ما دون الـ100% من الناتج المحلي الإجمالي، وبتحرير قسط من أموال المودعين دون تطبيق أي اقتطاع "هيركات"، وأخيرا باستعادة الثقة بالاقتصاد وبالقطاع المصرفي على نحو يتيح جذب أموال جديدة إلى الاقتصاد الوطني.

هل يُتاح للبنان بلوغ مشهد التعافي هذا؟ سؤال مطروح بقوة الأزمة، لكن الجواب حتما لدى الارتياب المشروع!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة