.
.
.
.

الهند وحلف «أوكس»

د. ذِكْرُ الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

عندما أُعلن عن الشراكة الأمنية ثلاثية الأطراف بين الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة، المعروفة اختصاراً بـ«أوكس»، شكّل ذلك مفاجأةً لكثير من البلدان. هذه الشراكة الأمنية، التي يُنظر إليها على أنها تروم التصدي لدور الصين المتعاظم، أُعلن عنها بشكل مباغت، مما أثار رد فعل ساخط من بلد واحد على الأقل. ففرنسا، المستاءة من التكتل وتقاسم تكنولوجيا الغواصات، اتسم رد فعلها بالغضب، إذ استدعت سفيريها إلى الولايات المتحدة وأستراليا، وذلك لأن أستراليا ألغت صفقة الـ 27,5 مليار دولار التي كانت عقدتها مع فرنسا من أجل أن تبني لها أسطولا من الغواصات التقليدية. والآن، ستبني أستراليا ثماني غواصات على الأقل تشتغل بالطاقة النووية بمساعدة من التكنولوجيا الأميركية والبريطانية.

وسيسمح ذلك للبلدان الثلاثة بتقاسم المعلومات الاستخباراتية، ناهيك عن منح أستراليا تكنولوجيا بناء غواصاتها المشتغلة بالطاقة النووية الخاصة بها. وعليه، فمن الواضح أن تشكيل تكتل «أوكس» أثار ردود فعل عالمية. غير أنه في ما يتعلق بالهند، فإن كلا من أستراليا والولايات المتحدة أعلنت أنها أبلغت نيودلهي بشأن تشكيل تكتل جديد قبل الإعلان الرسمي. غير أن السؤال الذي أثير داخل الهند يتعلق بما إن كان «أوكس» سيُضعف «المنتدى الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً بـ«الرباعي»، وهو تكتل أمني غير رسمي ليس له أي بعد عسكري حتى الآن. وعوضاً عن ذلك، يمتلك «الرباعي» أجندة واسعة تقول نيودلهي إنها تخدم مصلحة منطقة المحيطين الهندي والهادئ وتعاونها في طيف واسع من المجالات، من إنتاج اللقاحات إلى تغير المناخ.

لكن، هل من قبيل الصدف أن يعلن عن «أوكس» رسمياً قبل أول اجتماع حضوري للمنتدى الأمني الرباعي بأيام؟الرد الهندي الرسمي على «أوكس» هو أن التكتل الجديد لن يؤثّر على أجندة «الرباعي» أو ينال من أهميته، على اعتبار أن التكتلين مختلفان جداً من حيث طبيعتهما. ذلك أن الأخير عبارة عن مجموعة بلدان توحّدها رؤيةٌ مشتركة لمنطقة الهند والمحيط الهادئ كمنطقة حرة ومفتوحة وشفافة ومستوعبة للجميع، في حين أن «أوكس» عبارة عن تحالف أمني بمكون عسكري رئيسي، تحالف يعزّز الردع العسكري في البحار في وقت تتقاسم فيه الهند علاقات وثيقة مع كل البلدان الثلاثة الأعضاء في «أوكس».

غير أن تشكيله لم يكن بدون بعض الجدل داخل الهند. وما يثير بعض القلق في الهند هو قرار الولايات المتحدة تقاسم تكنولوجيا الغواصات النووية مع أستراليا. ذلك أن نيودلهي لطالما ضغطت على واشنطن حتى تتقاسم معها تكنولوجيا الدفع النووي. لكن الولايات المتحدة كانت تقول إنها لا تستطيع تقاسم تكنولوجيا الدفع النووي مع الهند نظراً لقوانينها الداخلية. وهذا الأمر كان يثير بعض الأسئلة المشروعة داخل الهند حول المانع الحقيقي من تقاسم هذه التكنولوجيا معها! غير أنه في نهاية المطاف، تظل الحقيقة هي أنه إذا كانت الهند شريكاً استراتيجياً وثيقاً للولايات المتحدة، وعلاقاتهما الثنائية ما فتئت تزداد عمقاً بما في ذلك تعاونهما المتنامي في مجال الدفاع، فإن الهند لم يجمعها تحالف أمني مع الولايات المتحدة بعد، على عكس أستراليا. ولهذا، فمن الواضح أن نقل التكنولوجيا النووية يستند إلى هذه الخلفية. والخلاصة هي أن «أوكس» تمثّل بكل تأكيد شيئاً جيداً لأهداف الهند الاستراتيجية ويوفر لها طبقة إضافية من الحماية وسط النظام العالمي الجديد الصاعد والاضطرابات التي تحدث حالياً.

فبالنسبة للهند، تُعد استراتيجية الهند والمحيط الهادئ مهمة على نحو متزايد، و«الرباعي» يمنح الهند مستوى من الحماية، رغم أنه لا يمتلك بُعداً عسكرياً. مثل هذه التكتلات متعددة الأطراف أضحت مهمةً للهند وسط مشاكلها الحدودية مع بلدان مجاورة مثل أفغانستان حيث توجد حالة من عدم اليقين بشأن ما إن كانت تنظيمات قتالية ستشن هجمات على الهند انطلاقاً من أفغانستان. ولئن كانت حركة «طالبان» قد أكدت على أنها لن تسمح بذلك، فإن العديد من البلدان تنتظر وتراقب التطورات لرؤية ما إن كانت الحركة ستحوّل أقوالها إلى أفعال. وبالنسبة للهند التي تواجه كل هذه المشاكل، يظل الأمن في منطقة الهند والمحيط الهادئ مبعث قلق حقيقي. والتجمعات متعددة الأطراف، مثل «الرباعي»، يُنظر إليها على أنها تساعد في مواجهة ذلك.

وبالنسبة للهند، لا توجد تحذيرات في ما يتعلق بـ«أوكس» لأن هذا التكتل، من وجهة النظر الهندية، يعزز موقفها. فالهند طوّرت علاقات متينة مع الولايات المتحدة في مجال التعاون الدفاعي والاستراتيجي، وشمل ذلك توقيع اتفاقيات من قبيل «اتفاقية التعاون والتبادل اللوجستي والتبادل الأساسي»، و«اتفاقية الأمن وتطابق الاتصالات»، و«اتفاقية الأمان والتشغيل البيني للاتصالات».

وتُعد هذه الاتفاقيات مهمة بالنسبة لقدرات الهند العسكرية والاستراتيجية لأنها توفّر وصولا غير مسبوق إلى تكنولوجيا الاتصال المهمة وتدفق البيانات، وهو ما من شأنه أن يوسّع بشكل كبير دقة ترسانة الهند الصاروخية. وفي نهاية المطاف، تمتلك الهند وبلدان «أوكس» مصالح متقاطعة في منطقة الهند والمحيط الهادئ. وإذا كان من غير المعروف فعالية «أوكس» و«الرباعي»، وما إن كانا يستطيعان الاشتغال بشكل منسجم، فإنهما بالنسبة للهند يساعدان على تعزيز مكانتها على الساحة العالمية.

نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.